FPN – نور سليمان
بمزيجٍ من الحنين والغضب، التأمّل والتشبّث بالعدالة، اجتمع عشرات الناشطين والمثقفين السوريين، يوم أمس، في المركز الثقافي بمدينة جرمانا لإحياء الذكرى الثانية عشرة على تغييب رزان زيتونة، سميرة الخليل، وائل حمادة، وناظم حمّادي، في فعالية حملت عنوان “مخطوفو دوما الأربعة ما زالوا يسكنوننا”، أعادت التأكيد على قضية لم تغب عن ضمير السوريين، على الرغم من كل محاولات الطمس والتجاهل.
الفعالية شكّلت وقفة رمزية ووجدانية لاستحضار حضور أربعة من أبرز رموز الثورة السورية، وأصواتها الجريئة في الدفاع عن العدالة وحقوق الإنسان والمواطنة. أولئك الذين اختطفوا قسراً من مكتب «مركز توثيق الانتهاكات» في مدينة دوما عام 2013، ولم يُعرَف عن مصيرهم شيء منذ ذلك الحين.
عدالة مؤجلة وجريمة مستمرة
افتُتحت الأمسية بكلمة للكاتب ياسين الحاج صالح، أحد أكثر المعنيين شخصياً ووطنياً بهذه القضية، تحدّث فيها عن المستجدات القانونية والسياسية المحيطة بالجريمة، مؤكداً أن اختطاف رزان وسميرة ووائل وناظم لم يكن فعلاً فردياً معزولاً، بل حلقة في سلسلة من الانتهاكات الممنهجة الهادفة إلى إسكات الأصوات الحرة ومصادرة المجال العام في المناطق الخارجة عن سلطة النظام، وعلى رأسها مناطق سيطرة تنظيم “جيش الإسلام”، الذي لا تزال أصابع الاتهام تشير إليه حتى اليوم.
يقول ياسين: “نحن لم ننتظر أي سلطة لتقرر لنا ما هي العدالة، وما هو الحق وما ينبغي علينا فعله”

أصوات تُستعاد
تحوّلت الفعالية إلى مساحة فنية وثقافية تنبض بالذاكرة والمعنى بإخراج من حنان شقير وبتعاون فني مع ساري مصطفى. قدّم عدد من الفنانين السوريين قراءات حيّة لنصوص ومقتطفات من كتابات المخطوفين الأربعة، شارك في إعدادها ناصر منذر. قرأ كل من رغدة الخطيب، رنا كرم، فرح الدبيات ومجدي المقبل مقتطفات من مقالات رزان، ويوميات سميرة من كتاب “يوميات الحصار في دوما 2013″، وقصائد من ديوان “ضد” للشاعر ناظم حمّادي. بينما أضفت مغنية الأوبرا نُعمى عمران لمسة حسية رفيعة أدخلت الجمهور في عمق التجربة، وكأن الغائبين الأربعة كانوا حاضرين، يملؤون المكان بصوت الثورة، وحلم سوريا التي أرادوها: حرّة، مدنية، متعددة، وديمقراطية.

لم تقتصر الفعالية على الكلمات والأداء، بل اختُتمت بزراعة أربع أشجار في الحديقة البيئية المقابلة للمركز الثقافي، حملت كل شجرة اسم أحد المخطوفين. محاولة رمزية لمواجهة الغياب بالحضور، ولزرع الذاكرة في الأرض كتجذّر مضاد للنسيان، ولفعلٍ صغير يقاوم الزمن والجريمة معاً.
صوت الفن في وجه الانقسام
وفي تصريح لشبكة الصحافة الحرة، قالت الممثلة، فرح الدبيات، إن العمل المشترك في مجالات التوثيق والفن والإنتاجات الفنية يمكن أن يشكّل خطوة حقيقية نحو ترميم النسيج السوري، إذا ما توفرت الإرادة الجماعية للتماسك والعمل معًا، رغم صعوبة الواقع.
تضيف الدبيات: “إذا كنا نحن صوت الشارع اليوم، فلا بد أن نُدرك أن الشارع غاضب. ومهمّتنا أن نبحث عن صيغة نستطيع من خلالها الوصول إلى الجمهور السوري بكل تنوعاته، وأن نجعل الجميع معنيّاً بهذا الحوار.”
أين هم؟
سؤال ظل معلقاً في فضاء الأمسية، كأنّه نداء لم يغِب منذ اثني عشر عاماً: أين هم؟
سؤال لم يُطرح هذه المرة فقط لاستجلاء المصير، بل لتأكيد أن التغييب لن يمر، وأن قضايا العدالة لا تموت بمرور الزمن أو بالصمت، بل تبقى حيّة طالما وُجد من يكتب عنها، يتذكّرها، ويعيد سردها بصوتٍ عالٍ.
