FPN – إبراهيم زرقه
“ما زال السوريون يعيشون حالة السبات… تجمعهم الأحلام وتفرقهم اليقظة”.
بهذه الجملة الحادة والواقعية، يُنهي المخرج السوري حسام حمو فيلمه القصير “سبات”، الذي يعكس مشهداً يعيشه السوريون حتى اليوم حسب قوله. جملة بسيطة، لكنها تحمل في طياتها عمقاً لا ينضب، وتحاكي حالة سباتٍ يعيشها الناس، حيث الأحلام تزدهر في العتمة، لكنها تتلاشى تحت ضوء النهار.
حسام، المخرج الشاب المتمرد على الصمت، قرر أن يكسر جدار الخوف بعرض أفلامه في اللاذقية، يوم السبت ٤/٥ في المركز الثقافي في اللاذقية، حيث افتتح العرض بدعوة الحضور للوقوف دقيقة صمت على أرواح شهداء سوريا الذين لا يزالون يسقطون حتى هذه اللحظة. كانت هذه اللحظة أكثر من مجرد تحية، بل كانت إعلاناً أن السينما لا يمكن أن تكون محايدة أمام الألم.
من هو حسام حمو؟
شاب حلبي المولد، يحمل في جعبته شهادة في هندسة العمارة من جامعة اللاذقية، وثلاثة أفلام قصيرة، شارك اثنان منها في مهرجانات عالمية وعربية، لكن ما يميزه ليس الألقاب، بل رحلته.
في عام 2012، وصل حسام إلى اللاذقية بعد رحلة نزوح قاسية، لكنه لم يكن مجرد هارب من الحرب يبحث عن مأوى، بل كان يبحث عن هوية جديدة. مع مرور السنوات، لم يعد يعرف نفسه كحلبي، بل كفنان سوري يحمل على عاتقه مشروعاً فنياً خاصاً في سوريا.
من الهندسة إلى السينما، ومن اللحن إلى الصورة؛ لم يكن حسام مجرد مخرج، بل موسيقي أيضاً. يعزف على العود والغيتار، ولاحقاً تعلم العزف على البيانو، محاولاً أن يجد في الموسيقا هروباً من حزن الواقع السوري، كما يخبرنا.

كيف لمعت شرارة البداية عند حسام؟
-في لحظة يأس، حين كانت (اتفاقيات المدن الأربعة) تدخل حيز التنفيذ مدينة تلو الأخرى، خطرت في ذهني صورة قررت تحويلها إلى لوحة فنية. ألّفت لها موسيقى خاصة، أسميتها “حصار”. لم أكن أعرف حينها أن هذه اللوحة ستصل إلى قلوب الآلاف، وأنها ستكون نقطة التحول في مسيرتي.
مع انتشار الفيديو، عرفت أن علي صنع شيء أكبر، فكانت البداية مع “فراغ”، الفيلم القصير الأول، الذي لم يولد عن تخطيط مسبق، بل عن شغف اكتشفته صدفة، بعدها بدأت كتابة السيناريو من “يوتيوب” وعن طريق مراجع وكتب درستها بمفردي، ثم كتبت نصاً، وعرضت على أحد لأصدقائه ليخبرني بأن ما صنعته فلم قصير ويجب تصويره.
وهكذا، ولد المخرج الذي لم يكن يعرف أنه مخرج. لم يكن بحاجة إلى مدارس سينمائية، بل إلى الحياة نفسها كأستاذ أول، فتعلم الإخراج بنفسه، محاولاً أن يبني مشروعه الخاص، في وطن لم يعد كما كان.
التحايل على الواقع الأمني بحثاً عن الحقيقة
لم يكن الحصول على الموافقات أمراً وارداً، لذا اخترت أن أحتال على القوانين والرقابة، متجنباً أي اصطدام مباشر معها. فاخترت أيام العطل مثل الجمعة وأماكن معزولة كالمدينة الرياضية، وشوارع فارغة لا توحي للحاضر فيها بوجود حدث استثنائي. كما اعتمدت على بيئة محيطة وأشخاص لا علاقة لهم بالتمثيل، كي لا يثير التصوير أي شكوك.
نشرت فلم “فراغ” على يوتيوب دون وضع توقعات كبيرة، لكنه حظي بمشاهدات واسعة. كثيرون أخبروني أنه كان يجب تقديمه للمهرجانات بدلاً من عرضه علناً، لكنه كان أكثر من مجرد فلم بل مساحة مفتوحة للبوح، يتحدث عن؛ العائلة، فقدان الأصدقاء، وعن نفسي.
أما “سبات” فقد كتبته كفيلم موسيقي بصري يتناول حالة “السبات الجماعي” التي يعيشها الناس. كنت أمام خيارين: أن أضيف حواراً أو أن أتركه صامتاً تماماً، لكنني شعرت أنني لن أستطيع الحديث بشكل واضح ولا أتقن فن المراوغة لإيصال الفكرة، خاصة في ظل الوضع الأمني، فقررت ترك الفيلم كمشاهد متحركة وموسيقى فقط.
وكنت ألتقط وجوه الناس، وأتأمل تلك النظرات الغارقة في الأفكار، ملاحظة وجوه البشر التي تحمل تعب الأيام وهمومها، الفم المفتوح دون كلام، النظرة العميقة التي تروي أكثر مما يقال.
التقطت شوارع اللاذقية القديمة، الأزقة التي لا يعرفها إلا أهل المدينة، حيث الحياة تسير ببطء، كأن الجميع عالقون في سباتهم الخاص. وأهل اللاذقية يحملون التأمل في جيناتهم، كل شيء في المدينة يوحي بالصمت والتأمل، كنت أراقب الصيادين يمضون ساعات طويلة عند الصيد؛ صافنين، متأملين، وكأن البحر يسرقهم من واقعهم ويمنحهم فرصة للهروب من كل شيء.
حتى أن سوقاً في اللاذقية اسمه “سوق الصفن”، وهو سوق تجاري، لكنه يحمل في اسمه إشارة إلى طبيعة المكان والناس. المدينة تتنفس عبر البحر، ومن يعيش أمام البحر لا بد أن يتأمل كثيراً. لم يكن هدفي اختيار مواقع جميلة، بل اختيار أماكن تنطق قصصها، تجسد روح المدينة وسكانها، وتجعل الفيلم انعكاساً لحالة عامة، أكثر من مجرد عرض بصري.
نال فلم “سبات” ثلاث جوائز وهي أفضل إخراج في المغرب، وأفضل فيلم قصير في سلطنة عمان، وجاهزة التنويه للجنة التحكيم في البحرين.
لكن في سوريا، كان التعامل مع الفيلم محبطاً، فعند الإعلان عن نتائج الجوائز، تجاهلت المؤسسة العامة للسينما ذكر فوز فيلمي، رغم أنه نال جائزة كان يفترض أن يتم الاعتراف بها. وفي مهرجان البحرين أيضاً، تم الإعلان عن جميع الأفلام المشاركة، إلا فيلمي وفلم لمخرج سوري آخر فقط لأنني لا أنتمي إلى المؤسسة الرسمية، ولم يتم الاحتفاء بي كمخرج سوري أو أي شيء.

“فطام”… حين يصبح الفراق مثل الفطام عن الحياة
السفر لم يكن مجرد قرار، بل كان مواجهة حتمية للخوف. كنت أخشى الرحيل، لكنه كان حلاً لا مفر منه، فقررت أن أعيشه قبل أن يحدث. وعندها كتبت “فطام” واعتبرته محاولة أخيرة في هذا البلد، وجعلته أطول قليلاً، كأنه مساحة أخيرة للبوح.
استلهمت طريقة السرد من السينما الإيرانية، فقد كانوا قادرين على صناعة أفلام تحمل أفكاراً كبرى بشكل موارب، وهم مثلنا يعيشون تحت رقابة أمنية مشددة. كنت أبحث عن هذه المراوغة، عن هذا الأسلوب الذي يُخفي الكثير ويقول كل شيء في الوقت نفسه.
قررت أن يكون الفيلم أقرب إلى الواقع، منزلٌ يشبه كل منزل سوري، بسيط، غير مثالي، لكنه مليء بالحياة الحقيقية. ولهذا جاء التصوير كاملاً داخل المنزل، ليس فقط بسبب التدقيق الأمني الخانق، ولكن لأن القصة كلها تدور في هذا المكان الضيق الذي يصبح فجأة واسعاً بالغياب. أكثر ما كان يهمني هو الحديث عن من بقي، لا عن الذين سافروا. أردت أن أوثّق لحظة الفقد من الداخل،عبر أولئك الذين لم يغادروا، عبر العائلة التي ترى ابنها يغادر، ويبقى الفراغ.
و اخترت الممثلة مي عطاف لأنها كانت تشبه أمهاتنا جميعاً، ليست الأم الباكية طوال الوقت، بل الأم التي تعرف كيف تخفي الألم داخلها دون أن تتكلم عنه.
لكن عندما عرضت سيناريو الفيلم عليها، كانت تعيش محنة شخصية قاسية، فقدت أخيها في زلزال شباط، وابنها كان قد هاجر من سوريا مؤخراً، فوجدت نفسها في النص، كأنه يحكي قصتها بكل تفاصيلها. وأنا أيضاً كنت أكتب الفيلم خلال الزلزال، وقررت أن أضع كل المشاعر التي لم أكن أعرف كيف أواجهها في السيناريو نفسه، وجمالية العمل كانت في تضحيات كل كادر الفلم، أغلبهم وافقوا على العمل مجاناً لأنهم أرادوا التعبير عن وجودهم وكان تعبيراً حقيقياً عن المحبة.
الفيلم يحكي قصة سفر الابن الأكبر لعائلة سورية بسيطة، عن مشاعر الأم حين ترى ابنها يغادر وكأنه ينفصل عن جسدها، مثل لحظة فطام الرضيع. والتي توحي بعذاب الرضيع لكن العذاب للأم حقيقة، فمهما كبر ابنها، يبقى رضيعاً في نظرها، ولهذا جاءت فكرة “فطام”، لأن الفراق يشبه هذه اللحظة تماماً، ليس مجرد انفصال، بل “انتزاع شيء من داخل الروح”
ولهذا استخدمت لوحة “Mother and Children” للفنان Friedrich von Amerling كعنصر بصري في الفيلم؛ فالصورة في اللوحة لم تكن مجرد لقطة، بل كانت تجسيداً حقيقياً للعاطفة التي يحملها الفيلم. كما في اللوحة، كانت الأم في الفيلم تحتضن ابنها في ذاكرتها، حتى وهو بعيد، حتى حين يصبح الغياب حقيقة. كنت أبحث عن هذه اللحظة، عن إحساس اللوحة نفسها؛ هذه العلاقة بين الأم وابنها، حيث يظل الطفل في قلبها مهما ابتعد، حيث لا تفقده فقط في المكان، بل في الزمن أيضاً.
الصورة في الفيلم لم تكن مجرد جزء من السيناريو، بل كانت انعكاساً للحالة النفسية العميقة التي تعيشها الأم السورية عندما يغادر أحد أبنائها.

حين يكون الفن أعمق من الصورة… حين يصبح استعادة للهوية
سعدت بالحضور أكثر مما توقعت، ليس فقط بسبب العدد الكبير، بل بسبب شيء أعمق بكثير، رأيت أشخاصاً يعبرون إلى الشيخ ضاهر لأول مرة منذ مجازر الساحل، كأنهم يكسرون حاجزاً غير مرئي، وكأن هذه المنطقة باتت تحمل هوية مرتبطة بطرف معين، ما جعلها مكاناً يثير التوجس والخوف. لكن عرض البارحة كان أكثر من مجرد أفلام تعرض على الشاشة، كان لحظة مواجهة، لحظة استعادة. وإذا نجح العرض في جعل الناس يعبرون إلى الجهة الأخرى بلا تردد، فقد حقق غايتي؛ لأن الناس ليست فقط متعطشة للفن، بل متعطشة للهوية، متعطشة لأن ترى نفسها وسط هذا العالم المتغيّر.
في سوريا اليوم، هناك هويات متصارعة،لكل طرفٍ روايته الخاصة، لكن رغم ذلك، هناك شكلٌ مجتمعي سوري أصيل، شيءٌ مشترك، يربط الجميع بطريقة لا يمكن إنكارها.
ولم يكن قدومهم الناس مجرد حضور لعرض، بل كان إثباتاً بأنهم موجودون، بأن هناك آخرين يشبهونهم، وبأن هذه المساحات لم تُمحَ تماماً، بل لا تزال تحمل جزءاً من ذاكرة الجماعة. ولم يكن الحدث مجرد عرض سينمائي، بل كان لحظة استعادة جماعية، لحظة تجمع فيها الناس ليقولوا: “نحن هنا، وما زلنا كما كنا.”
فاللاذقية كانت دائماً مدينة احتضنت الفن، المسرح، الرسم، الموسيقا، الرقص، لكن خلال الأشهر الأخيرة اختفى منها أي مظهر فني، كأنها مدينة صامتة، تنتظر شيئاً ليعيد إليها نبضها. ومنذ أيام بشار، كانت اللاذقية مُهمشة، الفن فيها لم يكن أولويّة، و الفن إذا لم يكن صادقاً فهو ليس فناً. فالسنوات الماضية دفعت كثيرين للحديث عن الرائج، عن الفن الذي يبتعد عن الصدق، لكن في النهاية، الفن هو الضامن لحرية المجتمعات، وهو المساحة التي لا يمكن السيطرة عليها أو دفعها إلى الصمت. و هو نبض هذه المدينة، وإذا عاد، فهذا يعني أن شيئاً آخر يعود معها، شيء أكثر عمقاً، أكثر ارتباطاً بالهوية الجماعية.
اليوم، لا أعرف ما هو رأي السلطة الحالية بالفن، هل ستُفرض عليه ضوابط؟ هل سيُترك لينمو وحده؟ لا شيء واضح بعد. لكن ما أعرفه أن اللاذقية مدينة تعرف الفن والسياحة، لأن جزءاً أساسياً من هويتها هو هذا الفن الذي يمنحها بُعدها الحقيقي.
أما لم اخترت أن يكون العرض الأول في اللاذقية وليس في حلب، ليس فقط لرد الجميل، بل لأنني أشعر أن النضج في شخصيتي حصل هنا، و هذه المدينة منحتني شيئاً لا يمكنني إنكاره.
لا أعتبر نفسي حلبياً تماماً، أشعر أنني ابن اللاذقية، ابن بيئتها، ابن هذا التنوع الذي يجعلها سوريا المصغّرة،حيث يكون الحديث عن القضايا المجتمعية أكثر صدقاً، وأكثر أهمية. عدا أن اللاذقية تحمل خصوصية كبيرة، فهي مدينة تعكس التغيّرات التي يمر بها المجتمع، واستقرار الساحل لا يعني فقط استقرار هذه المنطقة، بل يمهّد لاستقرار سوريا ككل. كما أن كل كادر العمل كان من اللاذقية، لم يكن هذا خياراً متعمداً، بل كان طبيعياً، لأن هذه المدينة هي المكان الذي جعل هذا الفيلم ممكناً.
“أشعر أنني ممتن إذا ما استمرت الفعاليات الثقافية، لتبقى اللاذقية لنا كما كنا لها دوماً”.
