FPN – نور سليمان
يُقام في مبنى “وردة مسار” بجانب جسر الحرية في دمشق معرض “طريق”، أحد أبرز الفعاليات الفنية التي تحتضنها المدينة في المرحلة الجديدة التي تعيشها البلاد. المعرض، الذي يضم أعمال 29 فناناً وفنانة سورية، يشكّل مساحة حرة للتعبير، ونافذة لإعادة تشكيل الذاكرة والهوية من خلال الفن.
تتنوّع الأعمال المعروضة بين لوحات وتجهيزات فنية، تحمل رؤى معاصرة تعكس تجارب شخصية وجماعية، وتستحضر التحوّلات العميقة التي مرّ بها المجتمع السوري. ويوفّر المعرض فرصة للتأمّل، ويدعو الزوار للدخول في حوار وجداني مع الأعمال التي تضع الإنسان في صلب التجربة الفنية.
التسامح يبدأ من الذات
من بين الأعمال اللافتة في المعرض، تقدّم الفنانة، زينب الأبرار زبيدة، عملاً بعنوان “إلى”، وهو تركيب فني مكوّن من سبعة أمتار من القماش الخام؛ ثلاثة أمتار منها مثبتة على الحائط، بينما تمتد الأمتار الأربعة الباقية لتنسدل على الأرض، تلفّ نهايتُها على رول خشبي من الأعلى والأسفل، بما يشبه شكل الرسائل القديمة. وفي مركز القطعة، تتناثر مجموعة من الأحرف العشوائية.
تقول زينب عن عملها: “المعرض يتحدث عن التسامح، وبالنسبة لي، فالتسامح يبدأ من ذاتي. منذ طفولتي، كنت ألجأ للكتابة كوسيلة لتفريغ مشاعري، لا ليقرأها أحد، بل لأتخلّص من ثقلها. ومن هنا جاءت فكرة العمل؛ الورقة الكبيرة ترمز إلى الحاضر، أما الجزء الملفوف، فيمثّل الماضي الذي مضى وانتهى. الأحرف العشوائية تعبّر عن مشاعر لا نعرف كيف نعبّر عنها، لكنها تسكن دواخلنا. هذه القطعة هي بمثابة دفتر مذكّرات، ونحن جميعاً نملك مثل هذه الورقة، في دفتر أو في الذاكرة.”
وتضيف: “مؤسسة مدد دائماً تبحث عن أماكن جديدة لعرض الفن، لتكسره حواجز صالات العرض المغلقة، وتجعل الفن متاحاً للجميع. الأسئلة التي يطرحها الزوّار أحياناً تفاجئني، لأن البعض لا يعرف ما هو الفن. ونحن نقوم بهذا العمل كي نقدّم فناً نابعاً منّا، من طفولتنا، من تجاربنا، ليصل إلى العالم بشكل صادق وحقيقي، لأنه يُشبهنا.”
الفن مساحة للتأمل والمشاركة
بدوره، يقدّم الفنان، فؤاد خطّار، عملاً فنياً يجسّد قاربًا وسط عاصفة، بعنوان “إبحار بالعاصفة” يختصر تجربة إنسانية عميقة. يقول عن عمله:
“أسعى دائماً لترك مساحة حرة للمشاهد كي يتفاعل مع العمل الفني بطريقته الخاصة؛ أن يستحضر إحساسه، ويتأمل بما يذكّره به المشهد، سواء أعاشه بنفسه أم شاهده من قبل. ففي هذا القارب وسط العاصفة، نرى معاناة واضحة، نلمس الألم الذي ينهال عليه كسكاكين، ونشعر بعجزنا الكامل عن مساعدته. وإن قررنا التدخل، فسنكون نحن أيضاً في قلب العاصفة، نواجه المصير ذاته. لذا، نقف بعيداًّ، نراقبه يصارع وحده، وندرك كم يحتاج إلى قوة جبّارة كي لا يغرق.”
ويتابع: “كان تفاعل الزوار مع العمل رائعاً، ولم أتدخل إطلاقاً في كيفية تفسيرهم له. البعض رأى في القارب صورة للوطن، وآخرون اعتبروه يحمل المهاجرين، بينما فسره آخرون كرمز للمعاناة والصمت والعجز عن التعبير. وهناك من رآه يمثّل فلسطين أو ذكريات شخصية. كلّ مشاهد أسقط تجربته الخاصة، وهذه هي قوة الفن: أن يكون مرآة لكل من يراه.”
فن للحاضر والمستقبل
معرض “طريق”، المستمر حتى 18 نيسان 2025 يومياً من الساعة 6 حتى 10 مساءً، لا يقدّم الفن بوصفه ترفاً، بل كحاجة إنسانية. هو مساحة للتأمل، وللشفاء، وللتعبير عن ذاكرة لا تزال حاضرة، وأملٍ يتجدّد في كل تفصيل من تفاصيل الإبداع. الدعوة مفتوحة لكل من يبحث عن لحظة صدق وجمال في زمن التغيير.
