FPN – نور سليمان
تسعى الإدارة السورية الجديدة، بقيادة أحمد الشرع، إلى تحقيق انتعاش اقتصادي من خلال جذب الاستثمارات الأجنبية وتعزيز التعاون التجاري مع دول الجوار، وخاصة تركيا، بهدف زيادة الإيرادات الحكومية لمواجهة النفقات العامة، إلا أن هذه السياسات أثارت جدلاً واسعاً، إذ يرى البعض أنها قد تمثّل فرصة للتنمية، بينما يحذّر آخرون من مخاطر التبعية الاقتصادية وانعكاساتها السلبية على الاقتصاد المحلي.
إصلاحات جمركية لتعزيز الشراكة الإقليمية: خطوة إيجابية أم مخاطرة؟
وفقاً لوكالة الأناضول، اعتمدت سوريا نظاماً جمركياً جديداً بتاريخ 11 كانون الثاني/يناير 2025، شمل 6302 تعرفة جمركية على الحدود مع تركيا ولبنان والأردن والعراق، وأكد وزير التجارة التركي، عمر بولاط، أن هذه الخطوة تهدف إلى تحصيل إيرادات لدعم النفقات العامة السورية، وليست موجهة ضد المنتجات التركية.
ومع ذلك، أشار تقرير لصحيفة إلباييس الإسبانية إلى أن سوريا تعاني من أزمات اقتصادية عميقة، حيث يعيش معظم السكان تحت خط الفقر، مع تدهور الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه، ما يجعل الاقتصاد المحلي هشّاً أمام تدفّق السلع الأجنبية، ويثير تساؤلات حول تأثير هذه السياسات على الصناعة السورية.
التكامل الاقتصادي الإقليمي: الفرص والتحديات أمام الاقتصاد السوري
يرى الخبير الاقتصادي، ربيع نصر، أن التكامل الاقتصادي مع دول الجوار يمثّل ضرورة أساسية، مشدداً على أهمية التعاون مع تركيا، العراق، لبنان، والأردن، إلى جانب التنسيق والانفتاح على دول الخليج، إلا أن الاستفادة الحقيقية من هذا التعاون تبقى مرهونة بوجود سياسة تنموية محلية تعطي الأولوية للتعافي الاقتصادي بعد النزاع، وتعزّز الإنتاج الوطني بدلاً من الاعتماد على المساعدات أو الانفتاح غير المشروط على الاستثمارات الخارجية.
ويؤكد نصر، في حديث لشبكة الصحافة الحرة، على أن مفتاح تجنّب التبعية الاقتصادية يكمن في بناء مشروع تنموي محلي مستقل، يعتمد على الموارد الوطنية، وإعادة الثقة بالمؤسسات العامة، واستقطاب الكفاءات السورية في الداخل والخارج. كما يشدد على ضرورة الاستثمار في رأس المال البشري، وتعزيز الشفافية في المؤسسات الحكومية، ما يساهم في خلق اقتصاد منتِج قادر على التفاوض مع الشركاء الإقليميين من موقع قوة، بعيداً عن أي تبعية اقتصادية.
إصلاحات غير مدروسة؟
يرى منتقدو سياسات الحكومة الانتقالية أن الخطوات الاقتصادية التي تم الإعلان عنها تحمل مخاطر كبيرة، أبرزها التبعية لتركيا وتهديد الشركات المحلية، فضلاً عن غياب الشفافية، فعدم الكشف عن تفاصيل الاتفاقيات الجمركية مع تركيا أثار مخاوف بشأن تأثير المصالح السياسية الخارجية على القرارات الاقتصادية.
هذه المخاوف نفاها الخبير الاقتصادي الدكتور مازن ديروان، الذي استعرض خلال الملتقى الاقتصادي السوري الذي أقامته غرفة تجارة دمشق نهاية الشهر الفائت أهمية اقتصاد السوق الحر، ودحض ما وصفها بالمغالطات والأفكار النمطية التي تشوبه، معتبراً أن الأسواق الحرة تفتح المنافسة أمام الجميع لدخولها وتكافئ المجتهد منهم، وتسهم في الارتقاء بالمستويات الاقتصادية والاجتماعية على حد سواء، وتدفع الجميع للابتكار لنيل رضا الزبائن، من حيث الجودة والنوعية والأسعار، إضافة إلى أنه ضمن سوق حر تنافسي لا مجال للهدر في أساليب الإنتاج.
من جهته يرى الخبير الاقتصادي ربيع نصر أن المشكلة لا تكمن فقط في النظام الجمركي، بل في نهج التجارة الخارجية ككل، “فالانفتاح غير المدروس وغياب القيود التنظيمية يهددان الإنتاج المحلي، ويضعفان قدرة الاقتصاد السوري على الصمود، كما أن تخلي الدولة عن دورها الاقتصادي والتنموي قد يؤدي إلى تفاقم التحديات المرتبطة بمرحلة ما بعد النزاع، خاصة مع الأعباء الهائلة التي تتحمّلها الدولة، مثل إعادة بناء البنى التحتية، تحسين الحوكمة، واستثمار رأس المال البشري. بدون تدخل حكومي فاعل قد يصبح الإنتاج المحلي غير قادر على المنافسة، ما يهدد استدامته على المدى الطويل.”
إنقاذ اقتصادي أم كارثة تضخمية؟
في خطوة مفاجئة، قررت حكومة تسيير الأعمال رفع الرواتب بنسبة 400%، وهو ما أثار جدلاً واسعاً حول مدى تأثيره على الاقتصاد السوري المتدهور، فبينما يعتبره البعض محاولة لاستيعاب انهيار القدرة الشرائية، يرى خبراء الاقتصاد أن القرار قد يؤدي إلى عواقب كارثية، منها التضخم المتسارع وارتفاع تكلفة المعيشة بسبب ضخ أموال إضافية دون زيادة في الإنتاج وغياب آليات لضبط السوق، إلى جانب إضعاف القطاع الخاص نتيجة لارتفاع التكاليف التشغيلية والرواتب، علاوة عن عجز الموازنة، إذ تعاني الحكومة بالفعل من أزمة مالية خانقة.
في هذا السياق أوضح نصر لشبكة الصحافة الحرة أن الإيرادات الجمركية وحدها لا تكفي لسد العجز المالي، إذ لا يمكن لأي اقتصاد أن يستقر دون إنتاج محلي قوي يخلق توازناً في ميزان المدفوعات والتجارة الخارجية. “تعتمد المالية العامة السليمة على ضرائب قائمة على النشاط الاقتصادي الحقيقي، وليس على الرسوم الجمركية وحدها، ما يعني أن الحل الجذري للعجز المالي يكمن في تحفيز النمو الاقتصادي، وليس في فرض مزيد من الرسوم على الواردات”.
كذلك يؤكد نصر على ضرورة تشجيع الاستثمارات المحلية من خلال مشاريع تعاونية بين السوريين، سواء كانت صغيرة أم كبيرة، بدلاً من الاعتماد على الشركات الأجنبية. كما يشدد على أهمية عدم التخلي عن الاستثمار العام، باعتباره مكمّلاً أساسياً للاستثمار الخاص في مرحلة إعادة الإعمار، “فالدولة القوية تحتاج إلى دور اقتصادي فاعل، وإلا ستصبح هشّة وضعيفة أمام الأزمات، ما قد يؤدي إلى مزيد من الفوضى، والاعتماد المفرط على المديونية الخارجية”.
بحسب نصر، فإن أي إصلاح نقدي حقيقي يستلزم استعادة الثقة بالمؤسسات العامة وتعزيز الحوكمة، ما من شأنه أن يساهم في إعادة دوران عجلة الإنتاج، وتحسين تدفق النقد بين الداخل والخارج، كما أن استقرار العملة يعتمد على وجود اقتصاد منتج، وليس مجرد تدفقات نقدية قصيرة الأجل.
تمثل السياسات الاقتصادية الجديدة نقطة تحول في مسار الاقتصاد السوري، حيث تسعى الحكومة لتعزيز التجارة وجذب الاستثمارات. لكن القرارات غير المدروسة، مثل فتح السوق دون حماية كافية ورفع الرواتب بشكل مفاجئ، قد تؤدي إلى أزمات أعمق.
