أبلغت الولايات المتحدة البعثة السورية لدى الأمم المتحدة في نيويورك بمذكرة رسمية تنص على تغيير وضعها القانوني من “بعثة دائمة لدولة عضو” إلى “بعثة لحكومة غير معترف بها”، في تطور دبلوماسي لافت يعكس تغيراً في السياسة الأميركية تجاه سوريا.
وحصلت جريدة “النهار” على نسخة من برقية بعثت بها البعثة السورية إلى وزارة الخارجية في دمشق، تبيّن مضمون المذكرة الأميركية المؤرّخة بتاريخ 3 نيسان 2025، والتي تتضمن أيضاً إلغاء تأشيرات الدخول من الفئة G1، المخصصة للدبلوماسيين المعتمدين من دول تعترف بها الولايات المتحدة، واستبدالها بتأشيرات من الفئة G3، التي تُمنح لممثلين عن حكومات لا تعترف بها واشنطن، لكنها مؤهلة للعمل ضمن الأطر الأممية.
ورغم امتناع الخارجية الأميركية عن تأكيد أو نفي القرار، إلا أن الخطوة تترجم دبلوماسياً إلى سحب الاعتراف الفعلي بالحكومة السورية الانتقالية، دون أن يؤثر ذلك على عضوية سوريا كدولة في الأمم المتحدة. وبهذا الإجراء، تُصنّف البعثة السورية ضمن فئة مماثلة لبعثات حكومات كحكومة نيكولاس مادورو في فنزويلا أو حركة طالبان قبل اعتراف واشنطن بها عام 2021.
وفي تحليل دلالات القرار، قال الباحث المتخصص في الشؤون الدولية، مالك الحافظ لـ”النهار” إن هذه الخطوة تمثل “رسالة سياسية واضحة مفادها أن الولايات المتحدة لا ترى في السلطة السورية الانتقالية الحالية حكومة شرعية، رغم سيطرتها على بعض المؤسسات والممثليات الدبلوماسية الرسمية”.
وأضاف الحافظ أن القرار يحمل بعدين مهمين: الأول رمزي يتمثل في تراجع الاعتراف السياسي، والثاني وظيفي ينعكس في تضييق الامتيازات القانونية والدبلوماسية لأعضاء البعثة. واعتبر أن هذا التوجّه يعكس موقفاً سيادياً أميركياً في ضوء اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية (1961)، والتي تمنح الدولة المضيفة حرية الاعتراف بالحكومات.
وأشار الحافظ إلى أن القرار يأتي في سياق سياسي معقد، بعد سقوط نظام بشار الأسد وصعود سلطة انتقالية ذات مرجعية سلفية جهادية، ما يثير مخاوف أميركية من إعادة إنتاج نموذج “الدولة الدينية” تحت عباءة شرعية سياسية جديدة. وأضاف أن توقيت القرار يتماهى مع تصاعد خطاب داخلي في واشنطن يدعو إلى الحذر في التعامل مع الأنظمة الانتقالية في منطقة الشرق الأوسط.
ورأى الحافظ أن القرار الأميركي لا يقتصر على كونه أداة ضغط دبلوماسي، بل يؤسس لتحوّل أعمق في السياسة الأميركية، يقوم على تجميد العلاقات مع أي سلطة لا تنسجم مع تصوّرات واشنطن لمستقبل سوريا، ويُعبّر عن رفض صريح لإعادة تدوير أنظمة استبدادية أو إقصائية تحت مسميات دينية.
واختتم الحافظ حديثه بالتأكيد على أن هذه الخطوة قد تفتح المجال أمام إعادة نظر دولية أوسع في مسألة الاعتراف بالسلطة السورية الجديدة، وقد تدفع منظمات كالأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى اشتراط إصلاحات مدنية وشاملة كأساس لأي اعتراف مستقبلي، مما يُعيد ترتيب أوراق التمثيل الدبلوماسي السوري على الساحة الدولية.
