بشار يوسف
منذ انشقاقه عن نظام الأسد صيف 2012، لم يغب اسم العميد مناف طلاس، نجل وزير الدفاع الأسبق مصطفى طلاس، عن التداول في وسائل الإعلام، على الرغم من فشله في التحوّل إلى لاعب سياسي حقيقي طوال العقد الماضي، إذ بدا حضوره أقرب إلى “ظل” يطفو على السطح مع كل لحظة مفصلية في مجريات الأحداث في سوريا، ثم سرعان ما يختفي، وبالأمس، بينما كان يشارك في محاضرة بمعهد “سيانس بو” في العاصمة الفرنسية باريس، عادت أخباره وصوره لتتصدر منشورات السوريين على منصات التواصل الاجتماعي، لكن ربما بسبب توقيت ظهوره، الذي جاء بعد أيام من زيارة وزير الخارجية في الحكومة الانتقالية، أسعد الشيباني إلى موسكو، أعقبها وصول وفد روسي رفيع إلى دمشق، وأخيراً لقاء قائد القيادة المركزية الأمريكية برئيس الفترة الانتقالية، أحمد الشرع.
قد لا تكون هذه الأحداث معزولة عن بعضها، إذ تبحث روسيا، التي لطالما دعمت نظام الأسد عسكرياً وسياسياً، عن موطئ قدم في “سوريا الجديدة”، وتعيد الولايات المتحدة ترتيب أوراقها في “الشرق الأوسط، بينما تعمل إسرائيل على تأمين مصالحها وتمرير سياساتها -ولو بالقوة- في دولة متهالكة تتبع لسياسات أنقرة، وفي خضم كل هذا تُستحضر أسماء قديمة –ومن بينها مناف طلاس– لتكون جسراً بين ماضٍ لم تزل آثاره ومستقبل لا يزال غامضاً.
من الحرس الجمهوري إلى المعارضة
نشأ مناف طلاس (تولد دمشق 1964) في قلب النظام السابق، وكان صديق طفولة بشار الأسد، وضابطاً في الحرس الجمهوري، قبل أن ينشق عن نظامه بعد أكثر من سنة من اندلاع الثورة السورية، لينتقل مباشرة إلى باريس. في ذلك الوقت رُوّج لاسمه كخليفة مُحتمَل لبشار الأسد ليقود مجلساً عسكرياً انتقالياً بدعم فرنسي وخليجي، لكن غياب قاعدة صلبة على الأرض دفعه للاكتفاء ببعض المبادرات النظرية، من قبيل الحديث عن حركة تحرير وطنية عام 2019، لكن المشروع لم يتطوّر في وقت اتجهت فيه الأنظار إلى مساري جنيف وأستانة.
على الرغم من ذلك، ظل اسمه يتردد كأحد الأوراق المحتملة في أي تسوية كبرى بين الأطراف الفاعلة في سوريا؛ فهو “سُنّي” من قلب نظام البعث، لم يتورّط في الجرائم الكبرى، وله شبكة علاقات واسعة مع فرنسا ودول الخليج العربي، وفتح لاحقاً قنوات تواصل مع موسكو، لكنه بقي مرفوضاً من بعض أطياف المعارضة حينها.
ظهور جديد في باريس
قدّم مناف طلاس نفسه مجدداً أمس السبت في باريس، وتمنّى على الرئيس أحمد الشرع “الدخول إلى الدولة وليس إلى السلطة”، وفي حين أكد على أنه لا ينافس على السلطة ولا يطلبها إلا أنه أشار إلى بقائه على تواصل مع أكثر من عشرة آلاف ضابط وعسكري سابق، معبّراً عن قدرته على بناء مجلس عسكري وطني، وأعرب عن انفتاحه على التعاون مع السلطة الجديدة للمشاركة في “توحيد القوى في سوريا”. بكلمات أخرى، طرح طلاس نفسه كشريك لحكومة الشرع لا كمنافس لها، مع إعادة إحياء مشروع المجلس العسكري الوطني، لكن كذراع مساندة للنظام الجديد لا كبديل عنه.
أما عن رؤيته للحل في سوريا، دعا طلاس إلى “جيش وطني حقيقي بعقيدة علمانية”، وفضّل “إسلاماً أشعرياً أو صوفياً يشارك في السياسة” على “إسلام سياسي يفرض نفسه عليها”، كما شدد على أن سوريا يجب أن تبقى دولة واحدة لا تُقسّم مع تحقيق الأمن والعدل والقانون كمرتكز لبناء الثقة، واعتبر أن المشهد الحالي “ليس صحيحاً”، منوهاً في الوقت ذاته إلى أهمية القرار 2254 كنقطة انطلاق لبناء سوريا.
سيناريوهات محتملة وانقسام شعبي
منذ تدخلها العسكري في سوريا عام 2015، بنت موسكو حضوراً عسكرياً وسياسياً قوياً، لكن سقوط الأسد نهاية العام الفائت أفقدها آخر حلفائها في المنطقة، وفتح الباب أمام سؤال صعب حول إمكانية أن تفقد موسكو نفوذها في سوريا بالكامل لصالح واشنطن وحلفائها، لكن الجواب لم يتأخر طويلاً مع عودة المحادثات مع السلطة الجديدة، وعلى الرغم من أن الملفات المعلنة كانت اقتصادية، لكن لا ريب في أن المباحثات تجاوزت ذلك إلى مستقبل القواعد الروسية ودورها الأمني، دون أن نغفل ما صرّح به أحمد الشرع نفسه في لقائه الأول على الإعلام الرسمي حول تواصله مع الجانب الروسي لتسهيل عملية إسقاط النظام مقابل التزامات معينة. في هذا السياق، قد ترى موسكو في مناف طلاس ورقة إضافية كونه من خلفية عسكرية وسنّية، وتربطه علاقات جيدة بالدول الغربية.
على الجانب الآخر يمكن أن يكون “استدعاء” طلاس واختياره كـ”شخصية وسطية” جزءاً من “صفقة” لطمأنة الولايات المتحدة وإسرائيل، لكسر اللون الواحد لقوات وزارة الدفاع وتحجيم دور الفصائل الجهادية التابعة لها، بالإضافة إلى عدم السماح للميليشيات الشيعية المدعومة من إيران بالعودة إلى الساحة السورية.
في ضوء هذه التكهنات، وإن لم تكن عودة طلاس إلى المشهد مجدداً نابعة من مبادرة شخصية منه، يمكن أن تندرج هذه العودة في إطار تفاهم روسي–أميركي يضمن لموسكو العودة عبر قنوات اقتصادية وسياسية محدودة، مقابل ضبط النفوذ الإيراني وتقديم ضمانات أمنية لإسرائيل في ظل تزايد النفوذ التركي على دمشق، أو يمكن أن يتّخذ دور المستشار أو حلقة اتصال بين دمشق وموسكو لا أن يكون قائداً مباشراً، كما يمكن أن يكون كلّ ذلك مناورة إعلامية لا أكثر.
على الصعيد الشعبي، وخلافاً لحقيقة أن مصير السوريين مرهون بالتوازنات الدولية والمشاريع الإقليمية، انقسم السوريون، بحسب ما تُظهر منشوراتهم على منصات التواصل الاجتماعي؛ فهناك من يرفض طلاس بسبب ماضي عائلته التي كانت أحد أبرز أعمدة عهد الاستبداد البائد، ويرى أن ما طرحه يوم أمس في باريس ليس جديداً بقدر ما هو محاولة جديدة للبحث عن منفذ إلى السلطة، فمنذ انشقاقه وهو يسعى للعودة إلى قلب المشهد، تارة عبر مجلس عسكري، وتارة أخرى عبر مبادرات سياسية لم تثمر شيئاً، واليوم عبر “خطاب مصالحة” مع أحمد الشرع. من جهة أخرى يعوّل آخر على مبادرته -وأي مبادرة أخرى- من أجل تجنيب البلاد عهداً جديداً من الاستبداد، أو على الأقل الوصول إلى عملية سياسية قد تخفّف من حدّة الانقسام الطائفي التي تلت أحداث الساحل والسويداء وتمهّد لبناء لدولة المؤسسات بعيداً عن حكومة اللون الواحد.
