FPN – عبدالله الشعار
منذ انطلاقة الثورة عام 2011، عاشت سوريا تقلبات كبيرة أثرت بشكل عميق على التحركات الثورية في المدن والقرى على امتداد الخريطة السورية. مرّت البلاد بتحولات سياسية، سواء كانت داخلية أو خارجية، شكلت تحديات أمام تحقيق أهداف الثورة. في ظل تلك الظروف المتغيرة، والتغيرات السياسية الحالية، تُطرح تساؤلات كثيرة حول ما إذا كانت ثورة الكرامة والحرية قد حققت انتصارها فعلاً.
معركة ردع العدوان
أعلنت “هيئة تحرير الشام” عن معركة “ردع العدوان“، حيث يوحي اسمها بأنها تهدف إلى الحماية وصدّ هجوم معين من قبل النظام لاستعادة مواقع ما. تزامن موعد المعركة مع انعقاد مفاوضات أستانة، ما أعطى انطباعاً بأنها جاءت كوسيلة للضغط على مسار المفاوضات. إلا أن الواقع كان مختلفاً، إذ استمرت العملية العسكرية حتى إجبر بشار الأسد على الرحيل، وذلك لأسباب عدة، من بينها ما نقلته صحيفة “الجمهورية” عن مصدر مطّلع من اجتماع أستانة، حيث أفاد بأن مصير الأسد قد حُسم في السابع من كانون الثاني في العاصمة القطرية الدوحة، وذلك بعد موافقة إيران وروسيا على عملية الانتقال السياسي في البلاد بعد أن تغيرت شروط التفاوض لتأثرها بالواقع العسكري على الأرض.
جاءت هذه الموافقة بناءً على تقديرات استخباراتية روسية وإيرانية، قرأت التطورات الميدانية، لا سيما بعد معارك حلب، التي سقطت بسرعة كبيرة، ما مكّن قوات ردع العدوان من إعادة تسليح نفسها، إلى جانب المعارك التي شهدتها حمص. كل ذلك عزّز القناعة بأن النظام لم يعد قادراً على البقاء. وبناءً على ذلك، تم الاتفاق على عدة نقاط، منها: انتقال منظم وسلس للسلطة، الحفاظ على المؤسسات الدبلوماسية وأمن المراقد المقدسة، حماية مؤسسات الدولة، منع عمليات الانتقام والاقتتال الأهلي، تأمين الأسلحة الكيميائية والاستراتيجية، وضمان عدم تهديد القواعد العسكرية.
نُقلت هذه التفاهمات إلى أنقرة، التي بدورها قدّمتها إلى إدارة العمليات العسكرية في الشمال السوري، والتي وافقت عليها ضمن شروط محددة، كان أبرزها: مغادرة بشار الأسد الفورية من سوريا، إصدار رئيس الوزراء بياناً رسمياً يعلن فيه تسليم السلطة، وإعلان قيادة الجيش عن سقوط النظام.
قراءة في الأشهر الأخيرة للطاغية
في واقع الحال خلال الأشهر الأخيرة قبل سقوط الأسد، كان حزب الله اللبناني، الحليف والمساند الأقوى للنظام، قد تكبّد خسائر كبيرة في الجنوب اللبناني وعلى الأراضي السورية أيضاً، وكذلك تعرضت المواقع الإيرانية والمجموعات الطائفية التابعة لها المنتشرة في سوريا لقصف مكثف. في الوقت نفسه، ازدادت الأنباء حول تفاقم الخلافات بين النظام السوري والإيرانيين، خاصة بشأن رفض النظام السماح لحزب الله والقوى العراقية التابعة لإيران بفتح معركة على الحدود السورية المحتلة من الإسرائيليين. أما الجيش العربي السوري، فلم يكن قادراً على صدّ أي هجوم، خاصة من مجموعات عانت طويلاً وتشكلت إرادتها قناعةٍ بالتحرر ورغبة في الانتقام لكل ما حدث، كالشباب الذين نشأوا في المخيمات بعد أن تم نقلهم إلى إدلب عبر “الباصات الخضراء” في عمليات التهجير الناتجة عن الحِصارات والمفاوضات القائمة على مبدأ الحياة مقابل الخروج من المكان. هؤلاء المقاتلون، الذين فقدوا ذويهم وأماكنهم ظلماً، بالإضافة الى كل من انضم إلى لمعركة من أبناء المدن والأرياف، واجهوا جيشاً لم يعد قادراً حتى على إطعام جنوده. إضافةً إلى ذلك سادت حالة من انعدام الثقة بين الجنود والقيادة، التي خذلتهم على مدار 14 عاماً على جميع الأصعدة، فضلاً عن عدم قدرة الحلفاء على تزويدهِ بالمقاتلين، سواء من الجانب اللبناني الذي يعاني بسبب حربهِ الأخيرة، أو من الجانب العراقي بسبب قرار سياسي عراقي بعدم التدخل كلياً، أو حتى من القوات الروس، التي اكتفت في السنوات السابقة بالضربات الجوية دون إرسال مقاتلين على الأرض، كل ذلك زاد من ضعف الجيش وانهياره أمام المواجهات التي شنتها غرفة عمليات معركة “ردع العدوان” المنظمة والمدربة بعناية شديدة.
وفي الوقت نفسه، لم يستجب النظام السوري للدعوات التي وجهتها له الخارجية التركية لعقد لقاء بهدف حل بعض الملفات وإعادة ترتيب الأوراق في المنطقة. كما أن دول الخليج العربي، رغم تباين سياساتها، اشترطت عليه قطع العلاقات مع إيران مقابل إعادة الإعمار والتعويم السياسي. كل هذه العوامل دفعت الأطراف الدولية مجتمعةً إلى اعتبار أن ما تبقى من نظام الأسد قد انتهى تماماً، ليُعلَنوا بذلك انتهاء حقبة حكمه. النظام الذي قَتل نفسه بخنجره منذ اللحظة الأولى التي ألقى فيها البراميل المتفجرة على السكان الآمنين، مما أسفر عن مذابح يومية، وفتح المجال أمام قوى العالم كلها للتدخل في الشأن الداخلي السوري.
الانقسامات ونحن
على مدار أربعة عشر عاماً، تحولت الثورة إلى ثورات، وانقسمت سوريا إلى خمس مناطق رئيسية تحكمها قوى الأمر الواقع، مقسمة بين النظام البائد وقوات سوريا الديمقراطية والجيش الوطني وهيئة تحرير الشام وغرفة عمليات الجنوب. في السنوات الأولى، اتفق السوريون إلى حدٍّ ما على قيم الحرية والكرامة، وهو ما انعكس في التظاهرات، الحملات، التحالفات، وحتى المبادرات الثورية والمدنية. لكن مع مرور الوقت، ومع تصاعد العنف الذي مارسه النظام على المناطق الثائرة، لعبت عوامل عدة – داخلية وخارجية – دوراً في توجيه مسار الثورة، من بينها تدخل القوى الإقليمية وتمويلها لأطراف معينة بهدف تعزيز مصالحها.
بقيت ثورة 2011 التي شملت جميع السوريين بكل تنوعهم على مختلف الأصعدة فكرة في رؤوس من عملوا لها وآمنوا بها، ليحتكر الوجود قوى الأمر الواقع والمرضى عليهم من المنظمات والتحركات في سوريا، بينما أصبح الباقي – نحن جميعاً – مجبرين على الخروج من هذا السياق المكاني، إما بسبب ضغوط النظام الطاغية أو بسبب سلوكيات قوى الأمر الواقع التضييقية.
الغاية والصدمة والواقع
“كيف يمكننا القول إن الثورة قد انتصرت، في حين أن بعض من يحكم البلد الآن هم من نفس القوى التي كانت تُعد من أعداء الخطاب المتنوع في الثورة طوال العشر سنوات الماضية؟” هذا الكلام بحرفيتهِ يتردد في العديد من النقاشات ويطرح نَفسه على جوانب المشهد السوري اليوم.
إذا كان السؤال هو: هل انتصرت ثورة الكرامة والحرية؟ وهل هي ذاتها ثورة 2011 التي جسّدت إرادة الشعب السوري بكل مدنه وأطيافهِ وطوائفهِ وتوجهاته السياسية؟ فالإجابة بكل وضوح: لا، لم تنتصر. لأن الانتصار لا يُقاس بإسقاط رموز الاستبداد فحسب، بل بتحقيق القيم التي انطلقت من أجلها الثورة. وما دامت الحرية والكرامة والعدالة لم تصبح واقعاً ملموساً لجميع المواطنين على حد سواء، فإن الثورة لم تصل إلى غايتها بعد. “الانتصار الحقيقي” لا يكون بمجرد تغيير الوجوه، بل بتحقيق العدالة لمن ضحوا، وبناء نظام جديد يُكرّس هذه القيم للجميع.
لا أرى أن الثورة بحد ذاتها هي الغاية، بل إن الأساس هو القيم التي ناضل الناس من أجلها: الحرية، الكرامة، والعدالة. فإذا كانت الثورة لم تحقق هذه القيم، فقد يكون المطلوب ثورة أخرى، أو نهجاً نهضوياً مختلفاً، أو صراعاً مستمراً ضمن أطر عمل متعددة. قد يكون ذلك من خلال مؤسسات قانونية أو حقوقية، أو حتى عبر مسارات ذات طابع ثوري، لكن الهدف يظل ثابتاً: تحقيق مجتمع أكثر عدالة وحرية. وليكون القياس ليس على شخصية الحاكم بل على القيم الذي سيعمل عليها هذا الحاكم.
الصدمة الكبيرة التي يعاني منها جزء من الشارع السوري اليوم بسبب بعض سلوكيات الإدارة الجديدة, سببها اعتباره لكل ما حدث انتصاراً للثورة. وأنا أعتقد أنه انتصار سلطة أمر واقع صارت في الحكم، على سلطة أمر واقع سقطت بإرادة الفاعل العسكري وبموافقة حلفائها.
يعود فهمنا لسؤال الإنتصار إلى الطريقة التي نُعرّف بها الثورة. فهل نتحدث عن ثورة الكرامة والحرية التي اندلعت ضد نظام حكم مستبد احتكر السياسة والاقتصاد ومنع الحريات وقمع السوريين؟ إذا كان الأمر كذلك، فإن هذه الثورة لم تنتصر بعد، لأن انتصارها يرتبط بشكل النظام السياسي الذي ستقوم عليه سوريا في المستقبل، وما إذا كانت القوى المسيطرة – مثل هيئة تحرير الشام – ترغب في بناء دولة تعددية، أم أنها ستنقل نموذج إدلب إلى باقي أنحاء البلاد، مما يعني فرض لون فكري وسياسي واحد.
بالتالي يمكن القول إن النظام قد سقط، لكن الأهداف لم تتحقق وما زال مصيرها متوقف على التطورات في المستقبل، وطبيعة التشكيل السياسي الذي ستؤول إليه سوريا بعد كل هذه السنوات. خاصة مع التطورات الأخيرة، التي احتجزت كل البلاد بكل إمكانياتها الخبراتية السياسية والإعلامية والثقافية، بالإضافة الى كل الضباط المنشقين والعساكر الذين رفضوا قتل الشعب، ليكلف نَفسهُ السيد احمد الشرع قائد هيئة تحرير الشام والقائد العام للعمليات العسكرية التي أدت إلى سقوط نظام بشار الأسد رئيساً للمرحلة الانتقالية، بحضور مجموعة من العسكريين والمقربين من الهيئة من سياسيين وإعلاميين، دون تحديد أي شكل لهذه المرحلة، ولا وضوح في كيفية إدارة الأمور خلال فترة حكمها.
فالآن نحن لا نعرف أبداً إلى أين نحن متجهون، ونأمل أن يكون إلى الخير كما يقول لنا الآخرون. وهنا يأتي السؤال الأهم: كيف تُبنى الدول؟
