FPN – نور سليمان
في الوقت الذي يحتفي فيه العالم باليوم العالمي لمناهضة خطاب الكراهية، تواجه سوريا في مرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد تحديات حقيقية تتعلق بإرث طويل من الإقصاء، أعيد إنتاجه بأشكال مختلفة في المرحلة الانتقالية. وعلى الرغم من أن كثيرين توقعوا طي صفحة الاستبداد وبناء دولة قائمة على الحقوق والعدالة والمساواة، إلا أن خطابات التخوين والتمييز لا تزال حاضرة، موجهة هذه المرة ضد فئات شاركت في التغيير أو كانت ضحية للسلطة السابقة.
تُظهر شهادات ميدانية أن النساء كنّ من أبرز ضحايا هذه الخطابات، رغم دورهن الفاعل في النضال من أجل التغيير، حيث واجهن تهميشاً ممنهجاً وعنفاً لفظياً ورمزياً، في كل من المجالين الواقعي والرقمي.
النساء في قلب الاستهداف الرمزي
واجهت العديد من النساء في المرحلة الجديدة أشكالاً متعددة من العنف الرمزي، بما في ذلك التشكيك بدورهن السياسي والاجتماعي، واتهامات بالخيانة أو الانحلال، بسبب تجاوزهن للأدوار النمطية المفروضة عليهن.
توضح الناشطة سارة علي (اسم مستعار): “كنت أظن أنني، بعد سقوط النظام، سأكون أخيراً حرة في التعبير عن رأيي. لكنّي وجدت نفسي هدفاً لخطاب أشد عنفاً، لا لشيء سوى أنني خرجت عن الدور النمطي الذي يُراد للنساء أن يلتزمن به. لم يكن الأمر سقوط نظام بقدر ما كان تبادلاً في أدوار التحريض والتضييق.. ومع تكرار الهجمات عليّ بشكل شبه يومي، لم أجد ملاذاً سوى حظر الحسابات والأشخاص الذين يواصلون ممارسة هذا الخطاب، حفاظاً على مساحة آمنة لي”.
الهوية الدينية والجغرافية كأدوات للتمييز
رغم انتهاء حقبة النظام السابق، لم تختفِ الاعتبارات الطائفية والجهوية من آليات اتخاذ القرار أو توزيع الفرص، بل استُخدمت خلفيات الأشخاص الدينية أو المناطقية في إقصائهم أو التشكيك بانتمائهم الوطني، حتى ضمن مؤسسات أو فعاليات مدنية تدّعي الانفتاح.
تفيد مها محمد (اسم مستعار)، وهي ناشطة ومصممة غرافيك ومجوهرات، بتعرّضها لأكثر من حالة إقصاء: “من قبل السقوط وبعده، كنت دائماً أُقصى من فرص التمثيل المهني، سواء في مؤتمرات أم وظائف أو مشاركات باسم البلد، فقط لأنني أنتمي إلى أقلية مهمّشة، ولست إسماعيلية أو مسيحية أو من الأكثرية. رغم أنني لم أطرح يوماً هذا الموضوع لأنه لا يُشبه تفكيري، إلا أنني كثيراً ما وُضعت أمام أسئلة مباشرة من جهات دولية حول انتمائي الديني، وكأنه أهم من مؤهلاتي أو جوائزي. تعرّضت للإقصاء أربع مرات على الأقل رغم كفاءتي. إذا أردنا الخروج من هذه الدوامة – دوامة ‘أنتِ ممتازة لكن خسارة انتماءك’ – فعلينا أن نبني سوريا على أسس دولة تكنوقراط، تضع الكفاءة والخبرة أولاً، لا الانتماء. طالما الانتماء لسوريا، فلا مبرر لأي تمييز آخر”.
تداعيات خطاب الكراهية على النسيج الاجتماعي
أدى الخطاب الإقصائي إلى إحداث أثر بالغ في العلاقات الاجتماعية، حيث عزز الانقسامات وأضعف الثقة بين فئات المجتمع المختلفة، متجاوزاً الخلافات السياسية إلى تفاصيل الحياة اليومية.
تلفت الناشطة المدنية ريما سواح إلى هذا الأثر قائلة: “في المجتمع السوري، ترك خطاب الكراهية جرحاً عميقاً خلال سنوات الحرب. لم يقتصر الأمر على الخلافات السياسية، بل تسلّل إلى الحياة اليومية، ففرّق بين الجيران، وخلق فجوات بين العائلات، وعمّق الشك والخوف بين الناس. صار البعض ينظر إلى الآخر بعين الريبة فقط بسبب طائفته أو منطقته أو موقفه السياسي. هذا الخطاب جعل من الصعب جداً تقبل الآخر والتعايش المشترك، لأن الثقة تضررت، والعلاقات الاجتماعية تأثرت بشكل واضح. واليوم، إذا كنا نريد فعلاً أن نعيد لمجتمعنا تماسكه، علينا أن نواجه هذا الخطاب، ونشجّع بدلاً منه كلاماً يبني، ويقرّب، ويعيد الثقة بين الناس، بعيداً عن الاتهام والتخوين”.
الإعلام الرقمي كمساحة للعنف الرمزي
تحولت منصات التواصل الاجتماعي من أدوات للتعبير إلى مساحات يُعاد فيها إنتاج التمييز، حيث تعرّضت النساء الناشطات بشكل خاص لحملات تشويه وتنمّر وتهديد، ما أثر على حضورهن في الفضاء العام.
توضح الصحفية مريم طاهر هذا التحول قائلة: “اعتبرت النساء السوريات انتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بوصفها جزءاً من الإعلام الجديد، فرصةً لرفع سقف التعبير وكسر الصمت المفروض عليهن في المجال العام. لكن مع مرور الوقت، تحولت هذه المساحات الرقمية إلى ساحات صراع ونفي للرأي الآخر، ولم نتمكن من إيقاف امتداد الرقابة إليها”.
“أشاهد يومياً كيف تتحول المنصات الرقمية من أدوات للحوار والانفتاح إلى أدوات للتمييز وتكريس العنف والانقسامات. فغالباً ما تكون المنشورات التي تتضمن رأياً سياسياً، خاصة عندما يصدر عن النساء، عرضة لحملات عنف وتشويه سمعة تمس الخصوصية والحياة الشخصية” تضيف طاهر، وتتابع: “الملفت بالنسبة لي كان مشاهدة امتداد هذا العنف الرمزي حتى إلى مجموعات طلاب الجامعات السورية على فيسبوك”.
فيما يخص قدرة النساء على الدفاع عن آرائهن في الفضاء الرقمي، تشير مريم: “تتراجع يومياً قدرة كثير من النساء على الدفاع عن آرائهن أو التعبير عنها في الفضاء الرقمي، فنلجأ أحياناً لإغلاق الصفحات الشخصية أو تقييد التعليقات، وفي كثير من الأحيان نختار الصمت. الإعلام الجديد لا يمتلك وعياً مستقلاً، بل يعكس وعينا الجمعي. وإن لم نواجه هذا العنف ونكشف آلياته، فسيتحول الإعلام الجديد من مساحة للتحرر إلى أداة جديدة من أدوات الإقصاء”.
تكشف الوقائع الميدانية وشهادات النساء السوريات عن استمرار بنى الإقصاء وخطابات الكراهية رغم تغير النظام السياسي، وتوضح هذه الشهادات أن الانتقال نحو دولة مدنية ديمقراطية لا يمكن أن يتحقق من دون تفكيك الخطابات الإقصائية التي تُمارس على أساس الجنس أو الانتماء الديني والجغرافي. في اليوم العالمي لمناهضة خطاب الكراهية، تظهر الحاجة إلى مراجعة جدية للخطابات المتداولة في المجالين العام والرقمي، والعمل على تبني سياسات ومنصات تُعزز من حضور النساء وتضمن المساواة الفعلية في الحقوق والتمثيل، كجزء من بناء دولة تنتمي لكل مواطنيها دون استثناء.
