FPN – رؤى النايف
عندما اندلعت الحرب في دير الزور تغيّرت ملامح الحياة اليومية بشكل جذري، ولم يعد شيء على حاله. في خضم هذا التغيير العنيف، كانت المرأة حاضرة في قلب المعاناة، لكنها لم تكتفِ بدور المتفرجة أو الضحية. فقد أجبرت ظروف الحرب كثيراً من النساء على تحمّل مسؤوليات لم تكن مألوفة لهنّ من قبل، ليتحوّلن من ربات بيوت إلى معيلات، ومن صانعات حياة يومية هادئة إلى رموز للصمود والمقاومة.
التحوّل من الأدوار التقليدية إلى أدوار قيادية
قبل اندلاع الحرب، كانت المرأة في دير الزور تؤدي دورها التقليدي في المجتمع بشكل واضح ومحدد، يتمحور في الغالب حول رعاية الأسرة، وتدبير شؤون المنزل، والمشاركة في بعض الأنشطة الاجتماعية والعمل.
لكن مع تغيّر المشهد بشكل جذري بسبب الحرب، وجدت النساء أنفسهن أمام واقع جديد، فرض عليهن الخروج من هذا الإطار الضيّق، وتحمّل مسؤوليات مضاعفة، غالباً دون استعداد مسبق، مع غياب الرجال بسبب القتل أو الاعتقال أو النزوح، أصبح كثير من النساء المعيل الوحيد لأسرهن، وتولّين مهاماً لم تكن يوماً من اختصاصهن، كالعمل في الزراعة، أو إدارة مشروعات صغيرة، أو حتى التجارة في الأسواق المحلية.
“أم سارة”، وهي أرملة من ريف دير الزور، اضطرت بعد فقدان زوجها إلى العمل في صناعة الخبز وبيعه للجيران والمحيط القريب، مستخدمة فرناً طينياً بنتهُ بنفسها خلف المنزل. بدأت بكميات بسيطة لتأمين احتياجات أطفالها، لكن مع الوقت أصبح الجيران يعتمدون عليها، خاصة في ظل تعطّل الأفران ونقص الخبز.
تحوّل عملها من مبادرة منزلية إلى مصدر رزق أساسي، وساعدها في إعالة أسرتها وتوفير احتياجاتها دون أن تضطر لمغادرة قريتها. رغم النظرة المجتمعية في البداية، إلا أن جهدها وقدرتها على تحمّل المسؤولية أكسبها احترام من حولها، وباتت تُعرف بـ”أم الخبز” بين نساء الحي.

المعاناة اليومية في زمن الحرب
وسط ركام البيوت المهدّمة وصوت الطائرات الذي لا يفارق السماء، خاضت نساء دير الزور معاركهن الخاصة مع الفقر، والخوف، والمسؤوليات الثقيلة التي تراكمت على أكتافهن فجأة. لم تكن الحرب مجرد حدث سياسي أو عسكري، بل كانت تجربة يومية مريرة عاشتها النساء بكل تفاصيلها، وواجهن من خلالها تحديات تفوق طاقاتهن في كثير من الأحيان.
انقطاع الماء والكهرباء، فقدان مصادر الدخل، غياب الخدمات الصحية والتعليمية، كلها كانت جزءاً من الحياة اليومية، ومع ذلك، لم تتوقف النساء عند حدّ النجاة فقط، بل تحوّلن إلى القوة الدافعة خلف بقاء العائلات. إحداهن، وتُدعى “أم لؤي”، كانت تقطع يومياً مسافة طويلة سيراً على الأقدام من قريتها إلى قرية مجاورة لتعمل في تنظيف إحدى المدارس التي ما زالت مفتوحة بشكل جزئي. لم يكن هناك مواصلات، وكانت الطريق محفوفة بالمخاطر، لكن الحاجة دفعتها لقبول هذا العمل لتأمين راتب شهري بسيط يساعدها على إعالة أطفالها بعد فقدان زوجها في الحرب.
كانت تغادر منزلها قبل شروق الشمس وتعود مع حلول المساء، ورغم الإرهاق والخوف، لم تتوقف عن الذهاب لعملها، لأنها كانت ترى في ذاك العمل وسيلة للحفاظ على كرامتها وتأمين الحد الأدنى من الاستقرار لعائلتها. بمرور الوقت، أصبحت مثالاً يُحتذى به بين نساء قريتها، اللواتي بدأن يتحدثن عنها بإعجاب ويستلهمن منها القوة على المواصلة رغم القسوة.

الصمود والمبادرات النسوية
رغم قسوة الحرب، خرجت من بين الأنقاض قصص نساء رفضن الاستسلام، وقرّرن تحويل الألم إلى دافع للحياة. كثير من نساء دير الزور لم يكتفين بالصبر، بل بادرن للعمل، والتعليم، وخدمة مجتمعاتهن بما توفر لديهن من إمكانيات، ليكنّ مصدر أمل واستمرارية في وقت انهار فيه كل شيء تقريباً.
من بين هذه القصص، تبرز حكاية “هبة نادر”، فتاة تبلغ اليوم 25 عاماً، فقدت والديها في قصف على أحد أحياء مدينة دير الزور عندما كانت في السابعة عشرة من عمرها. في لحظة، وجدت نفسها تتحمّل مسؤولية ستة إخوة وأخوات أصغر منها، دون سند أو معين. لم تكن مستعدة، ولا تملك شيئاً، لكنها قرّرت أن تنهض.
اختارت أن تتعلم التمريض في أحد المعاهد القريبة، رغم ظروف الحرب والتنقّل والخوف. كانت تدرس وتعمل في آن واحد، تعالج المرضى نهاراً، وتعود لتكون أماً وأختاً وأباً في البيت الصغير الذي بقي لها من حياة ما قبل القصف.
اليوم، تُعرف هبة في حيّها بأنها “المنقذة”، لا لأنها فقط تعتني بأخوتها، بل لأنها تساعد جيرانها في تقديم الإسعافات الأولية، وتُدرّب الفتيات الصغيرات على بعض المهارات الصحية الأساسية. تحوّلت من ضحية إلى قدوة، ومن فتاة مكسورة إلى امرأة تحمل عائلة ومجتمعاً صغيراً على كتفيها.

التحديات التي واجهتها المرأة في هذا الدور الجديد
رغم أن النساء في دير الزور قدّموا نماذج من الصمود والتحدي، إلا أن الطريق لم يكن سهلاً أو خالياً من المعوقات، فقد واجهن مجموعة من التحديات التي كانت أكثر صعوبة في ظل الحرب، ولكن رغم كل هذه العقبات، أثبتن أن الإرادة والصلابة يمكن أن تحطم الحواجز.
أول التحديات التي واجهتها النساء كان الضغط الاجتماعي. في مجتمع محافظ مثل دير الزور، لم يكن من السهل على المرأة أن تتجاوز الأدوار التقليدية التي كانت محددة لها مسبقاً. العمل خارج المنزل، سواء في الأسواق أو المؤسسات أو في الخدمات الصحية، كان يشكّل تحدياً اجتماعياً كبيراً، غالباً ما كانت النساء يُواجهن بنظرة متشككة من المجتمع، وبعضهن كان يواجه التنمّر أو محاكمتهن لمجرّد اختراقهن للمعايير المجتمعية.
أما التحدّي الآخر، فكان الضغط النفسي والجسدي. المرأة في دير الزور لم تكن تواجه فقط مشقة العمل اليومي، بل كانت تقاتل في معركة غير مرئية ضد الخوف، والحزن، والشعور بالذنب. مشاعر فقدان الأحباء، والخوف على الأطفال، والقلق المستمر من القصف أو الاعتقال، جعلت من كل لحظة تحدياً نفسياً مستمراً. إضافة إلى ذلك، كانت تضطر إلى العمل لفترات طويلة في ظروف غير إنسانية، وأحياناً دون أي استراحات أو مساعدة، ما أثر على صحتهن الجسدية والنفسية.
التحديات الأمنية كانت من أكبر المعضلات أيضاً. النساء في المناطق الساخنة مثل دير الزور كنّ يعانين من نقص الأمن الشخصي، فهنّ عرضة للتعرض للعنف، سواء من جماعات مسلحة أو من خلال عمليات السرقة أو الاعتقال التعسفي. كثير من النساء اضطررن للعمل في المناطق التي كانت تشهد اشتباكات عنيفة، ما وضعهن في خطر دائم.
ورغم هذه التحديات، فإن النساء اللواتي اخترن مسار العمل لم يكنّ يملكن رفاهية الاستسلام. لقد واصلن المضي قدماً، وأنشأن شبكات دعم بين بعضهن البعض، حيث كانت بعضهن تساعد الأخريات في إدارة أعباء الحياة اليومية أو في تأمين مصادر رزق مشتركة.
في قلب دير الزور، حيث لم تترك الحرب شيئاً على حاله، برزت النساء كرموز إصرار لا يُستهان بها. من فقدان الأحبة إلى تحمل مسؤوليات متعددة، استطاعت النساء أن يُجسدن معنى القوة والمرونة، فكنّ القلب النابض للمجتمع الذي تصدّع. لم يكن لديهن خيار سوى التحمّل والعمل من أجل النجاة، ولكنهنّ قدمنّ أيضاً نماذج مشرفة للصمود والتضحية، وأثبتن أن المرأة، رغم كل الظروف، قادرة على أن تكون درعاً وحجر الزاوية في إعادة بناء ما تهدّم.
