FPN – عبدالله الشعار
أليس من الطبيعي أن تساورنا الشكوك تجاه تنظيم نشأ في بيئة ضبابية، محاطاً بريبة مشروعة نتيجة خطابه الإقصائي السابق وأدائه الملتبس، فضلاً عن عشرات التساؤلات التي تحيط به في كل فترات تحولاتهِ؟ كيف يمكن لكيان بهذه التركيبة ومن دون أي مراجعات لكل ما مضى، أن يتحول فجأة إلى طرف يوزّع التطمينات، ويرفع شعارات التعددية ويَعِدُ بحياة أكثر ازدهاراً، معلناً أن سوريا للجميع رجالاً ونساءً؟ ثم كيف لنا أن نقبل بهذه التحولات دونما تمحيص، في وقتٍ يتحدث فيه هذا التنظيم عن حكومة انتقالية تدّعي إشراك الجميع؟ أليس من المنطقي أن يُقابَل هذا المسار بالاستغراب والحيطة بدلاً من التسليم الأعمى؟ وهل يُعقل أصلاً منح أي سلطة ثقة غير مشروطة؟ فكيف إذا كانت سلطة أمر واقع؟
انتقال السلطة
بدأ أحمد الشرع المعروف سابقاً بأبي محمد الجولاني مسيرته في تنظيم القاعدة في العراق. لاحقاً انشق عن التنظيم ليؤسس جبهة النصرة ومن ثم جبهة فتح الشام، التي اندمجت مع فصائل إسلامية أخرى لتشكيل هيئة تحرير الشام. وبعد عملية ردع العدوان التي أسقطت رأس النظام، وفي مؤتمر “النصر” الذي أُقيم بحضور العسكريين في العاصمة دمشق، أعلن حل الهيئة ونَصَّبَ نفسه رئيساً لسوريا للمرحلة الإنتقالية، وألقوا فيها بيانات انتصار الثورة السورية، حسب اعتقادهم.
على مدى 53 سنة ظلّ حكم عائلة الأسد في السلطة، حيث فُرض كل شيء من القوانين إلى الانتخابات، وسط سيطرة الأجهزة الأمنية التي تحكمت في كل شيء وغيّرت أي شيء. لقد شهدنا كيف تبدلت القوانين الدستورية خلال لحظات عند انتقال السلطة من حافظ الى بشار، ليصبح الأمر مجرد عملية توريث كاملة للسلطة بجميع سلطاتها التشريعية والتنفيذية والقضائية.
أليس هذا كافياً ليجعلنا في حالة ترقب دائم، كي لا يتكرر ذلك مجدداً؟ ألا يكفي عدد البراميل التي أُلقيت على المدنيين لأن نبقى متيقظين مدى الحياة؟ كل حالات الاعتقال، كل العذابات التي شهدتها المعتقلات، أليست كفيلة بأن نبقي أعيننا مفتوحة حتى لا يُعاد إنتاج هذا الواقع مرة أخرى؟
من الشبيحة إلى السحيجة: إعادة إنتاج الولاء
في زمن النظام السابق كان هناك نماذج من المؤيدين الذين أُطلق عليهم صفة “الشبيحة” – مجموعات من مختلف الانتماءات، مستعدة لفعل أي شيء لإثبات ولائها للنظام سواء عبر العنف النفسي أو الجسدي.
في الماضي القريب، كنا نعاني من الملاحقات والتشبيح سواء في الواقع أو على وسائل التواصل الاجتماعي، وصولًا إلى التهديد بالانتقام في حال العودة إلى البلاد. واليوم يظهر نموذج مشابه لهذا السلوك أطلق عليه البعض في وسائل التواصل الاجتماعي “السحيجة”، مأخوذ من “سحيجة ملك الأردن” كما قيل باعتبار أن حالة “التسحيج” لم تصل إلى مستوى “التشبيح” الذي نعرفه في سوريا الأسد.
بعض هؤلاء السحيجة كانوا جزءاً من النظام السابق لكنهم بدلوا مواقعهم: من العلم الأحمر بنجمتين إلى الأخضر بثلاث نجوم، ومن الولاء المطلق للأسد إلى الولاء المطلق للشرع. آخرون انتقلوا من رفع الأعلام السوداء أو البيضاء التي تمثل تيارات إسلامية إلى رفع العلم الأخضر. وهناك من وجد للمرة الأولى نموذجاً سياسياً يشعر بأنه يمثله – وهؤلاء أكثر من أستطيع فهمه في هذه الفوضى الولائية. بينما يخشى آخرون من العودة إلى الحكم السابق فيتمسكون بكل قوتهم بالسلطة الحالية، مما يدفعهم إلى اتخاذ موقف دفاعي يصل أحياناً إلى السعي لحماية رأس الإدارة الجديدة وكأن أحداً ما يحاول نزعها من سلطتها الآن الآن.
ليكن التساؤل: كيف يمكن تبنى هذه الولاءات المطلقة ونحن لم نشهد بعد أي رؤية واضحة حول شكل سوريا المستقبل بشكل فعلي؟
أين نقف اليوم؟
هناك أصوات عديدة في المساحة السياسية السورية تقول: “ألستم فرحين وممتنين لفتح أبواب المعتقلات، وهروب الأسد، وإيقاف البراميل المتفجرة، وإلغاء دفع بدل الجيش للمغتربين، والتخلص من الإتاوات والرشاوى، وإلغاء فرض مبلغ 100 دولار عند دخول سوريا، وإتاحة إمكانية عودة كل من يريد إلى سوريا، وانخفاض الأسعار؟”
نعم كل ذلك مفرح بكل تأكيد. ولكن كل ما ذُكر سابقاً هو تخلص من أدوات حكم النظام السابق وآلياته، وليس بالضرورة تغييراً جذرياً في النهج السياسي. ومع محاولات التغيير التي تشهدها سوريا ودخولها تجربة السوق المفتوح، كان من الضروري جداً إيقاف العمل بأدوات النظام السابق. وهذا لا يعني أن السلطة الحالية هي نسخة طبق الأصل عن سابقتها، لكنها أيضاً لم تطرح بعد رؤية سياسية واضحة تضمن بناء نظام مختلف جذرياً. لذا لا يُلغى دور الإدارة الجديدة، لكنه أيضاً لا يُلغي ضرورة استمرار الرقابة عليها، والعمل بكل الجهود من أجل إنتاج نظام جديد، فهذه فرصة حقيقية لنا لنحيا، وإمكانية حقيقية لأن نموت.
العدالة والمصالحة: أيهما أولاً؟
أين العدالة قبل المصالحة؟ سؤال لا بد أن يكون في صدارة أي حديث عن عدالة انتقالية حقيقية. لكن في الواقع السوري، يبدو أن المصالحة تُفرض أولاً، بينما تُترك العدالة وكأنها تفصيل هامشي.
كيف يمكن بناء مجتمع متماسك في الوقت الذي يُعاد فيه دمج شخصيات متورطة في الدماء والجرائم والانتهاكات دون أي مساءلة؟ وأي ثقة يمكن أن تنشأ حين تُطمس الحقيقة بدلاً من مواجهتها؟
في الوقت الذي أُجّلت فيه لقاءات أهالي المعتقلين والجهات المعنية بهذا الملف، كانت الإدارة الجديدة تستقبل وفوداً وشخصيات من دول مختلفة. فهل أصبح القبول الخارجي أكثر أهمية من العمل على الملفات الداخلية، وبداية التأسيس لعدالة انتقالية؟ من حقنا أن نسأل ونراقب ونشكك في كل خطوة، لأن العدالة ليست مجرد شعارات تُرفع، بل أساس لا يمكن تجاوزه لمن يريد حكماً مستقراً وبناء مستقبل عادل ومستدام للجميع.
التسويات السياسية بين المصالح الدولية ومطالب الداخل
كل الأحداث والتطورات التي نشهدها اليوم، من تسوية أوضاع وزير الداخلية السابق محمد الشعار، وعودة فادي صقر الذي يُشاع أنه أحد المتورطين في مجزرة التضامن، إلى جانب إطلاق سراح خالد المرعي قائد جيش الباقر الذي انتقل مباشرة إلى تركيا بعد تسوية وضعه، تؤكد على تُشير إلى التسوية السياسية التي وافقت عليها إدارة عمليات “ردع العدوان” عبر تركيا، بالتنسيق مع الروس والإيرانيين خلال أيام مؤتمر أستانة. هذه التسوية التي جرى الوصول إليها في الدوحة، قامت على مبدأ الانتقال السلمي للسلطة في سوريا مقابل إغلاق ملفات عديدة، في مشهد يعيد ترتيب الأوراق وفق المصالح الدولية، لا وفق مبدأ العدالة والمحاسبة.
في العديد من المقابلات التي أجراها السيد احمد الشرع أعطى تطمينات عديدة. ولكن يبقى من الطبيعي أن يشعر الغير مقتنعين-أي نحن-بالقلق والترقب. وهذا الترقب ليس أمراً سلبياً بحد ذاته، بل هو حق مشروع لنا خاصة بعد كل ما عاناه السوريون من بطش النظام السابق، ومن كل التجاوزات التي ترتكبها الإدارة الحالية, وخاصة محاولة أخذ الشرعية من الخارج بدلاً من التوجه للداخل بكافة إختلافاته لترتيب قضاياه وأخذ الشرعية منهُ.
لن تحدد الشكوك شكل المرحلة المقبلة، بل ستتشكل الصورة الحقيقية بناءً على قرارات ونهج الإدارة الجديدة. الأيام المقبلة وحدها ستكشف لنا ملامح المرحلة القادمة، وشكل علاقتنا بالشرع، وعلاقتنا بالسلطة ككل و ببعضنا البعض.
يمكن دمج الفكرتين على النحو التالي:
نعم، لأسباب عديدة نراقب هذا النظام ونبقى متيقظين، وأهمها أننا نريد أن نحيا في دولة تحترمنا جميعاً، مهما كانت اختلافاتنا. دولة نمارس فيها حياتنا السياسية بحرية، بدءاً من حق التعبير والاجتماع، في ظل نظام لا يعاقبنا على أبسط حقوقنا إلى أن نختلف مع الحاكمين في سياساتهم. نريد دولة تقودها قوانين وشخصيات تتيح لنا أن نعمل لمستقبل نصنعه كما نشاء، دون إعادة إنتاج الاستبداد بأي صورة كانت. وفي الوقت نفسه، رأينا تجاوباً ملحوظاً من الإدارة الجديدة في بعض المواقف، وهو أمر مطمئن. لكن هذا السلوك يؤكد أن تساؤلاتنا و مراقبتنا لهذا النظام ولنهجه لا تعني رفضاً مطلقاً له، ولا تشكل حرباً على وجوده، بل هي حالة طبيعية نابعة من تحفظات مشروعة مرتبطة بماضيه القريب، ورغبة عميقة في أن نعيش كمواطنين في سوريا تحترم اختلافاتنا بكل أشكالها.
