دلير يوسف – FPN
بعد سقوط بشار الأسد ونظام حكمه في الثامن من كانون الأول ٢٠٢٤، توالت علينا صور لبيوته المختلفة، ولمواقف سياراته الفارهة، ولغرف أطفاله، ولصوره الشخصيّة. ما يثير في هذه الصور بشكل خاص هو عاديتها، فباستثناء العدد الكبير من السيارات غالية الثمن، والتي جمعها الأسد في وقت كان فيه ٩٠٪ من الشعب السوري يعيش تحت خط الفقر، فإنّ بيوته تبدو عادية، وتشبه بيوت الكثيرين من الطبقة الوسطى العليا.
في صوره يبدو شخصًا عاديًا، يسبح مع أصدقائه، يضحك مع زوجته، يلاعب أطفاله. غرف أولاده تبدو مثل أي غرفة أطفال، يتشارك الولدان غرفة واحدة، والبنت لها غرفتها الخاصة. في الغرفة سرير أو سريران، وطاولة للقراءة والكتابة وربّما لحل الوظائف المدرسية، وخزانة ثياب. لا شيء مثير للدهشة.
لو لم يكن بشار الأسد هو بشار الأسد، لما استوقفت هذه الصور أحدًا. كلّ الناس لديها صورٌ وهي تسبح، لكلّ الناس صور في وضعيات مضحكة، لكلّ الناس صورٌ خاصة، وهي أشياء شخصية عادة ما يخجل منها المرء إذا ما رآها آخرون.
لكن بشار الأسد هو بشار الأسد، بكلّ ما يحمله هذا الاسم من ثقل تاريخي وإجرامي. هو الشخص الذي ارتكب مئات المجازر على طول البلاد وعرضها، هو الشخص الذي قتل وعذّب مئات الآلاف من السوريين والسوريات، هو الشخص الذي هجّر ملايين السوريين والسوريات.
يبدو بشار الأسد لمن لا يعرفه ويرى هذه الصور شخصًا عاديًا، موظفًا كبيرًا في مكان ما ربّما، يذهب إلى عمله، يضحك مع أصدقائه، يحب عائلته. لكن من يعرفه، يرى في هذه الصور كمًا من الرعب يصعب وصفه.
كيف خرج كلّ هذا الإجرام من هذا العاديّ؟ أغلب الظن أنّه كان يفعل ما يفعله على أنّه إنجاز عمل، لا جرائم، لا مجازر، لا تعذيب، لم يكن يرى أيّ شيءٍ من هذا، كان يظن أنّه يقوم بعمله فقط. هذا ليسًا دفاعًا عنه ولا تبرئة لمجرم يماثل هتلر بإجرامه، بل هو توصيف أو قراءة أولية لما جاء في هذه الصور.
يتبادر إلى الذهن كتاب “آيخمان في القدس – تفاهة الشر” للفيلسوفة الألمانية حنة آرندت، والتي تتبعت فيه محاكمة أدولف آيخمان، أحد كبار المسؤولين النازيين وواحد من المنظمين الرئيسيين للمحرقة اليهودية. تصف وتحلل آرندت في هذا الكتاب شخصية آيخمان وتقول إنّه لم يُظهر أي ذنب لأفعاله وإنه ادّعى أنّه لا يتحمل أي مسؤولية لأنّه كان ببساطة يقوم بعمله. تحلّل آرندت وتنتقد هذا السلوك، وتصف أعمال الشر العظيمة بالتفاهة، هي فقط امتثال للأوامر مثلما قال آيخمان.
يبدو المسؤولون في النظام السوري كذلك، حتى إنّ بشار الأسد يبدو كذلك. يبدو عمله عملًا عاديًا، قتل مئات الآلاف من الناس وتهجير الملايين عمل عادي، العنف المستفحل غير المنضبط في المعتقلات عمل عادي، شراء سيارات فارهة وتجميع ثروات غير معلومة الأرقام في وقت يموت الناس فيه من الجوع أمر عادي.
هذا ما يثير الخوف والرعب. أيّ عادي يُمكن أن يكون مجرمًا وقاتلًا، فقط إذا ما اتبع أوامرًا من جهات عليا، أو اتبع نهجًا إيدولوجيًا اقصائيًا.
رحل بشار الأسد، سقط مع نظامه، مات مع سقوطه الأبد الأسدي، خرج مئات الآلاف إلى الشوارع في سوريا وفي بلاد اللجوء احتفالًا بهذا السقوط، فرح ممزوج بغصة المختفين قسرًا والذين قتلوا وهُجروا وعُذبوا خلال سنوات حكم الأسد. رحل بشار الأسد أو نقول هرب بشار الأسد، وآن الأوان للنظر إلى الماضي والتعلم منه، كي لا يخرج من عادياتنا وحش جديد.
