FPN – نور سليمان
أثار قرار صادر عن “الأمانة العامة للشؤون السياسية” في وزارة الخارجية السورية، يقضي بتشكيل مجلس تسيير أعمال جديد لاتحاد الكتاب العرب، موجة واسعة من الجدل في الأوساط الثقافية السورية، وسط تساؤلات عن مدى مشروعية التدخل السياسي في مؤسسات المجتمع المدني.
القرار، الذي حمل توقيع الأمانة العامة للشؤون السياسية، نصّ على تشكيل مجلس مكوّن من ستة أعضاء، برئاسة سعيد سليمان الزعبي، وعضوية كل من: جدي سعيد العليلي، محمود سائد، براءة علولو، سعيد صباغ، و”أبو ريان”. وجاء في نصه أن المجلس الجديد سيتولى مهام الاتحاد مؤقتاً، ريثما تُستكمل الترتيبات الإدارية والتنظيمية في المرحلة الانتقالية.
اللافت أن القرار لم يصدر عن جهة ثقافية أو وزارة مختصة كوزارة الثقافة، بل عن قسم جديد في وزارة الخارجية تم استحداثه مؤخراً، وهي هيئة لم تُعرف بعد بهيكليتها الرسمية ولا بمهام واضحة، ما زاد من التساؤلات حول توسّع غير مبرر في صلاحياتها و”سطوتها” على منظمات من المفترض أن تكون مستقلة.
الكاتب عبد الرحمن نعسان علّق على القرار في منشور له على صفحته في فيسبوك، مؤكداً أنه لو كان عضواً في الاتحاد لأعلن استقالته فوراً، واعتبر أن القرار “يكشف غياب الحد الأدنى من الاستقلالية”، متسائلاً: “هل أصبح اتحاد الكتّاب فرعاً ثقافياً لسلطة الرفاق الجدد؟”، وأضاف أن ما جرى يُعيد إلى الأذهان صورة اتحاد الكتاب البعثيين العرب، في دلالة على استنساخ لأساليب النظام السابق في التحكم بالمؤسسات الثقافية.
القرار المثير للجدل يأتي بعد أسبوعين فقط من إعلان الحكومة الانتقالية الجديدة، في ظل مرحلة انتقالية أعلنت فيها السلطات أن تشكيل الأحزاب السياسية ما يزال مبكراً، ما يعزز المخاوف من تحويل اتحادات المجتمع المدني إلى أدوات للضبط السياسي.
رؤية قانونية: خرق للدستور وتهديد للديمقراطية
اعتبر الخبير القانوني والباحث في العلاقات الدولية، المعـتصم الكيلاني، أن القرار رقم (53) لعام 2025، القاضي بإنشاء “الأمانة العامة للشؤون السياسية” ضمن وزارة الخارجية، يشكّل خرقاً صريحاً للإعلان الدستوري وانتهاكاً لقوانين تنظيم العمل الوزاري، كما يمثل تهديداً جدياً لبنية النظام الديمقراطي وتوازن السلطات في البلاد.
وأوضح الكيلاني في حديث مع شبكة الصحافة الحرة أن اختصاص وزارة الخارجية، بحسب الدستور السوري وقانون تنظيم الوزارات، يقتصر على إدارة العلاقات الدولية وشؤون المغتربين، ولا يمتد إلى إدارة النشاط السياسي الداخلي أو الإشراف على الأحزاب. وبالتالي، فإن إسناد مهام سياسية داخلية لوزارة الخارجية عبر تشكيل جهاز جديد، دون سند تشريعي، يُعد تجاوزاً لصلاحيات وزارات أخرى كوزارة الداخلية والعدل، وتعدياً على دور مجلس الشعب، بما يشكل انتهاكاً لمبدأ الفصل بين السلطات.
كما أكد أن هذا القرار لا يقتصر على التداخل الإداري، بل يمهّد عملياً لإعادة إنتاج نمط الحكم السلطوي السابق، من خلال تمكين جهة تنفيذية من التأثير المباشر في المجال السياسي الداخلي، دون مساءلة أو رقابة. وأضاف أن هذا المسار يتنافى مع الأسس التي نصّ عليها الإعلان الدستوري، وكذلك مع القاعدة الديمقراطية التي تؤكد أن “كل سلطة يجب أن تحدّ سلطة أخرى لمنع الاستبداد”، كما ورد في توصيات لجنة البندقية التابعة لمجلس أوروبا.
تحذير من إعادة إنتاج حزب مهيمن
من جهة أخرى حذّر الكيلاني من أن القرار يفتح الباب أمام تشكيل كيان سياسي مهيمن يفتقر إلى التعددية والمنافسة الحرة، من خلال إعادة توظيف أصول حزب البعث والأحزاب المرتبطة به، تحت إشراف “الأمانة العامة”. واعتبر أن غياب التشريعات الناظمة للتعددية السياسية، مع تمركز القرار السياسي في يد جهاز تنفيذي، يمثل انتكاسة خطيرة للمسار الديمقراطي، ويناقض الالتزامات الدولية التي تضع التعددية السياسية في صلب أي نظام ديمقراطي حقيقي.
كما تناول الكيلاني تأثير القرار على استقلالية النقابات والاتحادات، قائلاً: “رغم غياب نص صريح في الإعلان الدستوري بشأن استقلالية النقابات، إلا أن روح النصوص الدستورية والمعايير الدولية لحقوق الإنسان تضمن حرية النقابات وعدم خضوعها للسلطة التنفيذية”.
وأكد أن تشكيل جهاز سياسي تديره وزارة الخارجية يمس بشكل مباشر جوهر العمل النقابي، ويهدد استقلالية المجتمع المدني، ويخالف العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خاصة ما يتعلق بحرية تكوين الجمعيات.
وفي هذا الإطار، شدد الكيلاني على أن تدخل الدولة في الشؤون الداخلية للنقابات يجب أن يكون محدوداً للغاية، وفقاً لاتفاقية منظمة العمل الدولية رقم (87) بشأن الحرية النقابية. وقال: “القرار الحالي يتجاوز هذه الحدود بشكل سافر، من خلال خلق آلية رقابية جديدة تقيد حرية العمل النقابي وتحد من استقلالية الاتحادات”، مضيفاً أن هذا يشكّل انتهاكاً صريحاً لمبدأ الاستقلالية النقابية.
المساس بحقوق العاملين والنقابيين
أما بشأن تأثير القرار على حقوق العاملين والنقابيين، فأوضح الكيلاني أن السلطة التنفيذية لا تملك صلاحية فرض قرارات تؤثر بشكل كبير على هذه الحقوق دون الرجوع إلى قوانين العمل المصادق عليها وفق الآليات التشريعية السليمة، مشيراً إلى أن “أي إجراء يمس الحقوق المكتسبة للعاملين، دون الرجوع إلى نصوص قانونية واضحة، ودون استشارة ممثلي النقابات، يُعد انتهاكاً خطيراً للمعايير الدولية، ويقوض المبادئ الأساسية للعدالة الاجتماعية، وعلى رأسها المفاوضة الجماعية وحرية العمل النقابي”.
وختم بالتأكيد على أن القرار رقم (53) ليس مجرد خطوة تنظيمية، بل يمثل تحوّلاً سياسياً وإدارياً خطيراً، يحمل في طياته عودة إلى المركزية السلطوية، ويهدد مسار الانتقال الديمقراطي، والتعددية السياسية، واستقلال المجتمع المدني في سوريا.
كذلك أوصى الكيلاني بإلغاء القرار فوراً نظراً لعدم دستوريته وتجاوزه حدود الصلاحيات، والعمل على إصلاح شامل للقوانين السياسية بما يضمن حرية التنظيم السياسي وتعزيز التعددية، إضافة إلى تعزيز الرقابة المالية من خلال إنشاء مؤسسات مستقلة وشفافة لمنع استغلال المال العام لتحقيق أغراض سياسية ضيقة.
