FPN
“كنا ما يقارب 40 فرداً بين رجال ونساء وأطفال نجتمع في بيت واحد، دخلوا علينا بعد كسر الباب وجمعونا في غرفة واحدة. قال أحدهم: “رشوهم بسرعة وخلينا نمشي”. كانوا من عناصر الأمن العام بلباسهم الأسود، وهذه كانت المجموعة الثالثة التي دخلت بيتنا”، تقول أمل (اسم مستعار)، التي تبلغ من العمر 18 عاماً. حدث ذلك في 17 تموز الفائت، أي بعد مرور ثلاثة أيام على إعلان الحكومة الانتقالية، ممثلة بوزارتي الداخلية والدفاع، التدخل لفض النزاع في محافظة السويداء، وذلك بعد وقوع اشتباكات عنيفة في حي المقوس شرقي المدينة بين الفصائل الدرزية وأبناء العشائر.
أمل طالبة في الثانوية العامة، كانت تحضّر لتقديم الامتحانات يوم الأحد عندما بدأت وتيرة الاشتباكات تتصاعد في المدينة، وتم الإعلان مساء ذلك اليوم عن إلغاء الامتحان في اليوم التالي. الخلاف كان قد بدأ صباح السبت 12 تموز، حينما قامت مجموعة من أبناء العشائر بالهجوم على تاجر خضار يدعى فضل الله دوارة على طريق دمشق-السويداء بين منطقة خربة الشياب والفيلق الأول. المجموعة قامت باختطافه وسلب سيارته وممتلكاته ليطلقوا سراحه في وقت لاحق بعد أن قاموا بتعذيبه وتهديده بالقتل وتوجيه شتائم طائفية له. هذه الحادثة تسببت بعمليات من الخطف والخطف المضاد في السويداء بين أبناء العشائر والدروز، وتطورت لاشتباكات استمرت يومي السبت والأحد، وفي المساء بعد تدخل عدد من وجهاء المنطقة تمت إعادة المخطوفين، وكان الخلاف في طريقه للحل، لكن الحكومة الانتقالية أعلنت نيتها التدخل لفض النزاع يوم الإثنين 14 تموز عبر الحدود الإدارية مع درعا من الجهتين الغربية والشمالية، وبدأت القوات الحكومية بالانتشار بدعم من قوات أبناء العشائر في المنطقة.
بدأت القوات الحكومية بالدخول إلى محافظة السويداء عبر الريف الغربي بدءاً من قرية الدور لتنتقل بعدها إلى قرية المزرعة، بمساعدة من القائد المحلي ليث البلعوس، وعبر طرق فرعية زراعية استطاعت الوصول إلى قرية ولغا ومن ثم محور المدينة الغربي من جهة “دوار العمران”. تصاعدت حدة الاشتباكات والقصف على أطراف المدينة، وكانت الفصائل المحلية التي أطلقت على نفسها فيما بعد “المقاومة الشعبية” تحاول صد الهجوم، لكن قوات وزارتي الدفاع والداخلية استطاعت التسلل بين المنازل واتخذت من بعض الأبنية مراكز لها، وبدأت تتوزع الاشتباكات على أكثر من محور في المدينة.

استمر القصف على مدينة السويداء والاشتباكات فيها ثلاثة أيام، وقامت الفصائل المحلية في اليوم التالي للاقتحام بهجوم معاكس على القوات الحكومية تسبب في تراجعها إلى حدود المدينة الغربية، تبع ذلك إعلان الأخيرة الانسحاب يوم 17 تموز ليلاً، عقب تحذيرات من الجانب الإسرائيلي، والذي قامت طائراته باستهداف آليات عسكرية تابعة للقوات الحكومية في محيط السويداء، بالإضافة إلى قصف مبنى الأركان في مدينة دمشق.
يقع بيت أمل في حارة تتوسّط دوار العمران ومقر الشرطة العسكرية والمركز الثقافي والملعب البلدي. تقول لشبكة الصحافة الحرة: “في اليوم الأول استيقظنا على أصوات مرعبة بسبب القصف والرصاص الكثيف. كنا نجلس أنا وأمي وأخي الأصغر في ممر داخل المنزل. كنا نخاف البقاء في الغرف، ولم نستطع الخروج من المنزل. أمضينا تلك الليلة في خوف شديد منتظرين ما قد يحدث، بعدها عرفنا أنهم يقتربون من جهة كناكر وولغا. يوم الثلاثاء صباحاً كانوا قد وصلوا وتمركزوا بالقرب من الدوار”.
لم تستطع أمل وعائلتها الصغيرة الخروج من المنزل إلى مكان آخر فيما بدء بعض جيرانهم بالنزوح، خاصة مع الحظر المفروض وعدم وجود وسيلة نقل، بالإضافة لانقطاع الاتصالات وشبكة الإنترنت.
استمرت عمليات القصف والاشتباكات طوال يوم الثلاثاء 15 تموز، ونحو الساعة 11 صباحاً، وبعد أن انضمت أمل مع عائلتها لجيرانهم في الطابق الأرضي (القبو)، دخلت المجموعة الأولى للمنزل، كانوا ملثمين، اثنان يرتديان لباساً أسود والآخر يرتدي لباساً عسكرياً صحراوياً. قاموا بتفتيش المنزل مع توجيه إهانات طائفية واتهامات بالخيانة. تقول أمل: “تلك المجموعة دخلت بهدف التفتيش عن السلاح، وجهوا لنا الإهانات واتهمونا بالخيانة وتركونا أحياء، لكنهم دخلوا إلى منزل في البناء المقابل وقتلوا رجلاً بثلاث رصاصات في رأسه بعد أن احتجزوا عائلته في غرفة، واقتادوه لغرفة أخرى، كما قاموا بقتل عائلة كانت تمر في شارعنا مؤلفة من رجل وامرأة وابنهما، ودهسوا جثثهم بعد أن سرقوا أموالهم وسيارتهم”.

الساعة الثانية من بعد ظهر ذات اليوم بدأت الأصوات تبتعد وتنخفض، لذا قررت أمل وعائلتها العودة إلى منزلهم. بدأت الأخبار تصل بأن القوات المهاجمة سيطرت على مواقع عدة في المدينة، حيث وصلوا إلى مقر الشرطة العسكرية ومبنى المحافظة والشارع المحوري في المدينة وطريق قنوات وساحة تشرين. بقيت أمل وعائلتها حتى السادسة مساءً في المنزل، ثم بدأت أصوات القصف والرصاص تعود بقوة، تتابع: “جاء ابن جيراننا ثانية وطلب منا أن ننضم إليهم. كان الرعب يسيطر على الجميع، أطفأنا كل الإنارة وبقينا في العتمة، وضعنا أغطية سميكة على النوافذ كي لا يرونا، كانوا متمركزين بالقرب من الجسر بجانب الدوار وكنا نراهم بوضوح”.
بحسب مصادر محلية من القرى التي دخلت إليها القوات التابعة للحكومة الانتقالية، كوّن فريق شبكة الصحافة الحرة تصوّراً بأن تلك القوات كانت تتبع تكتيكاً محدداً عند دخولها إلى أي قرية؛ قصف عشوائي على منازل المدنيين لترهيبهم ما يتسبب بهروبهم من قراهم، ومن ثم تبدأ المجموعات باقتحام القرى، حيث تقوم مجموعة بقتل من بقي من المدنيين، ومجموعة أخرى تقوم بسلب المنازل والمحلات، ومن ثم تدخل مجموعة ثالثة لإحراقها، وفي بعض الأحيان كانت مجموعة واحدة تقوم بكل ذلك.
عند ساعات الصباح الأولى من يوم الأربعاء 16 تموز، وصلت فرق جديدة إلى المكان (دوار العمران)، تجدّد القصف، وبدأ اقتحام المنازل. كانت أمل في ذلك الوقت قد اجتمعت مع جميع من كان في البناء من عائلات في المنزل نفسه، والذي تعود ملكيته لأحد الجيران. حوالي الساعة السابعة صباحاً اقتحمت مجموعة مؤلفة من أربعة عناصر يرتدون اللباس البني المموّه المنزل، تقول أمل: “كانوا يكرّرون كلمتين بعربية ركيكة (ذهب – مصاري)، وكانت تلك المرّة (الثانية) الأسوأ، حيث قاموا بتفتيشنا جميعاً بطريقة مهينة، تحرّشوا بالنساء والفتيات وأهانونا، كانوا يصرخون ويضربون ويتكلّمون مع بعضهم بلغة غريبة، أحدهم حاول الاعتداء على إحدى الفتيات فقاومته وركلته على بطنه فقام بضربها بالسلاح على رأسها حتى وقعت أرضاً”.

كانت الفرق التي تدخل المباني السكنية تقوم بفصل الرجال والنساء والشباب كلّ في مكان، تضيف أمل: “اقتادوا أحد الرجال تحت تهديد السلاح لينادي الجيران في البنايات الأخرى ليفتحوا الأبواب، واقتادوا أحد الرجال ممن كانوا معنا إلى خلف البناء وأعدموه لأنه لم يكن يملك المال ليعطيهم، كما أخذوا جميع الهواتف النقالة والتي كانت موضوعة على الطاولة، وحين وجدوا أن عددها أقل من عددنا اقتربوا من أمي ليجدوا الجهاز بجانبها فضربوها على رأسها وأخذوه ثم ضربوني وأخذوا هاتفي مني”.
يقع البناء الذي تقطنه أمل بين أربعة أبنية أخرى كان في كل منها قناص، لم يكن من الممكن لكل من في البناء التحرّك أو إيجاد أي مخرج مع تتابع دخول المجموعات المسلحة إلى المنازل. لم يكن هناك أي مكان يستطيعون الذهاب إليه فجميع الطرقات كانت خطرة. بدأوا جميعاً بتوضيب أغراضهم لكنهم لم يستطيعوا الخروج، لذلك قرر كل من كان في البناء التجمّع في منزل واحد. في المساء حلّ الهدوء، كانت تُسمع فقط أصواتهم، توضح أمل: “بدأوا بتكسير الأبواب من حولنا، كنا تقريباً 40 شخصاً، دخلوا إلى البناء وقاموا بضرب الباب، كنا قد وضعنا خزانة خلف الباب فلم يستطيعوا فتحه فوراً، خلعوا الباب مع الملبن ودخل ما يقارب 15 عنصراً، جمعونا في غرفة واحدة واتهموننا بالطائفية، كنا نناقشهم ولا يسمعون، ثم قال أحدهم: ‘اقتلوهم كلهم ما بدنا حدا عايش’..”.
رافقت الحملة الأمنية في محافظة السويداء انتهاكات جسيمة بحق المدنيين تسببت بمقتل نساء وأطفال وشيوخ، إذ أظهرت مقاطع مصورة تم التحقق منها عمليات إعدام ميدانية بحق عائلات بأكملها، بعض منها حدثت داخل المنازل، منها مجزرة آل رضوان، ومجزرة آل سرايا، ومجرزة آل بدر، كما انتشر مقطع يصور ثلاثة شبان من آل عرنوس يُجبرون على القفز من شرفة منزلهم مع إطلاق الرصاص عليهم. إضافة إلى ذلك قامت القوات الحكومية بمحاصرة مشفى السويداء الوطني في السادس عشر من شهر تموز ووضعت دبابتين أمامه وقصفته وحاصرت الكادر الطبي بداخله، كما تم توثيق عملية إعدام ميداني واحدة على الأقل داخل المشفى بحق أحد العاملين فيه.
تتابع أمل: “انقسمت المجموعة بعد أن حاولنا التحدث معهم إلى فئة تريد قتلنا وأخرى لا تريد ذلك، ثم عرضوا علينا أن ينقلونا إلى مكان آخر لكن قررنا البقاء في المنزل”. بعد ذلك عادت تلك المجموعة وأخبرت من كان في البناء بضرورة المغادرة: “قاموا بجمعنا في سيارة وأخبرونا بأنهم سينقلوننا إلى نجران، وأنهم قد نقلوا مجموعات أخرى قبلنا، وحذرونا من أن من سيصعد لن يستطيع العودة، حشرونا في السيارة، كما أخذنا جثة الرجل الذي قتلوه معنا أيضاً”.
كان الطريق من دوار العمران حتى قرية نجران يشهد انتشاراً كثيفاً لقوات الأمن العام، مع دخول قوات جديدة من مدخل السويداء، كانت الأبنية محروقة وببعضها مدمر والمحال فارغة، كان هناك بعض المنازل التي ما زالت على حالها، وكانوا يتخذونها مواقع لهم، يجلسون، يأكلون ويشربون بداخلها.
تختم أمل شهادتها بالقول: “أوصلونا إلى قرية نجران ووضعونا مع مجموعات من المدنيين داخل السكن الطلابي، قمنا بدفن جارنا هناك، بعد ذلك تم توزيعنا على الغرف، حاولنا النوم، لكن بعد ذلك بدأت أصوات القصف، وفي الخامسة صباحاً أخبرونا أن الأمن العام قد انسحب ولم نعرف ماذا كان سيحل بنا لو لم يحصل ذلك”.
