FPN – رؤى النايف
تعدّ مدينة دير الزور من أكثر المناطق السورية التي عانت من تدهور كبير في القطاع الصحي خلال سنوات الحرب، فقد تعرّضت المنشآت والمرافق الطبية لدمار شامل بسبب العمليات العسكرية المستمرة، بالإضافة إلى النهب والتخريب الذي طال المستشفيات والمراكز الصحية، ومع غياب الدعم الكافي لإعادة الإعمار، يواجه سكان المدينة تحديات صحية خطيرة، منها نقص الخدمات الطبية وغياب البنية التحتية القادرة على استيعاب احتياجات المرضى. كما ساهم التلوث البيئي وسوء الظروف المعيشية في انتشار الأمراض المزمنة، ما يزيد من معاناة الأهالي في ظل هذا الواقع المأساوي.
دمار المنشآت الطبية
لا يقتصر تدهور الوضع الصحي في دير الزور على مركز المدينة فقط، بل يشمل أيضاً مدينتي الميادين والبوكمال، حيث يعاني السكان من نفس الظروف الصعبة. وفي هذا السياق، يقول لشبكة الصحافة الحرة الدكتور عثمان البحر، المشرف على إعادة ترميم المنشآت الطبية في مديرية الصحة، لشبكة الصحافة الحرة إن مدينة البوكمال تعاني من انهيار شبه كامل في القطاع الصحي، فقد تعرّضت المنشآت الطبية للتدمير الكامل، بما في ذلك المشفى الوطني، الذي كان يُعتبر من أفضل المشافي في المنطقة، والذي كان مجهزاً بأحدث الأجهزة مثل الطبقي المحوري وغرف العمليات وحاضنات الأطفال، ولكنه تعرّض للنهب والتدمير، ما أدى إلى فقدان المدينة لأهم مركز طبي كان يخدم آلاف المرضى. كما تم نهب أجهزة غسيل الكلى التي كانت تخدم مرضى القصور الكلوي، قبل أن يُدمر المبنى بالكامل. المستوصفات أيضًا لم تكن أفضل حالًا، حيث نُهبت جميع محتوياتها من أجهزة ولقاحات وأدوية.
وأضاف العثمان أنه نظراً لعدم توفر أبنية طبية صالحة، فإن أي دعم صحي مقدم من وزارة الصحة لا يمكن الاستفادة منه في البوكمال، لعدم وجود بنية تحتية مؤهلة لاستقبال المعدات والكوادر الطبية. “في الوقت الحالي، لا توجد سوى بعض المشافي الخاصة التي لا تكفي لتغطية احتياجات السكان، ما يضطر المرضى إلى التوجه إلى دير الزور، وغالباً ما يتوفى البعض قبل الوصول بسبب بعد المسافة وسوء الطرق، ورغم وجود إمكانية لإعادة تأهيل بعض المنشآت الصحية مثل مشفى عائشة، إلا أن المشروع يتطلب موافقات رسمية من وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. ورغم الحاجة الملحة لإعادة تأهيل القطاع الصحي، فإن غياب الدعم والمشاريع لإعادة الإعمار يجعل السكان يواجهون كارثة صحية مستمرة، ويعانون من نقص الخدمات الصحية الأساسية”.

الجدير بالذكر أن النظام السابق استعاد السيطرة على دير الزور وريفها أواخر عام 2017 بعد معارك عنيفة مع تنظيم داعش. عقب ذلك، دخلت قوات النظام السوري والمليشيات الإيرانية والعراقية وحزب الله إلى المنطقة، ما تسبب في موجات نزوح ضخمة. اضطر الأهالي لعبور نهر الفرات تحت وابل من القصف العنيف، وأسفرت محاولاتهم للفرار عن سقوط العديد من الضحايا.
الصعوبات في الميادين
تعاني مدينة الميادين في ريف دير الزور الشرقي هي الأخرى من وضع صحي متدهور، حيث لا يوجد أي مستشفى خدمي يعمل بشكل كامل، باستثناء بعض المشافي الخاصة التي تُثقل كاهل الأهالي بتكاليفها المرتفعة. ورغم أن المشفى الوطني لم يتعرض للدمار، إلا أنه يعاني من نقص حاد في الكوادر الطبية والمعدات الأساسية، مما يجعله غير قادر على تلبية احتياجات السكان الصحية.
ووفقاً للدكتور حسان العلي، عضو نقابة الأطباء في دير الزور، هناك جهود تُبذل حالياً بالتعاون مع بعض المنظمات الإنسانية لافتتاح قسمي الأطفال والنسائية في المشفى الوطني، ولكن هذه الخطوة تظل غير كافية في ظل غياب الدعم الكافي.

من أبرز المشكلات التي يواجهها المرضى في الميادين هو نقص الخدمات الطبية لمرضى القلب، حيث يُضطر المرضى الذين يحتاجون إلى تركيب شبكة قلبية أو قثطرة للسفر إلى دمشق، نظراً لعدم وجود مراكز متخصصة في المحافظة. كما أن مرضى الأورام يواجهون نفس المشكلة، حيث يضطرون للسفر إلى العاصمة لتلقي العلاج الكيميائي أو الإشعاعي، في ظل غياب كامل للخدمات المتعلقة بالأورام.
نقص الخدمات الطبية
أشار الدكتور العلي إلى أن غياب سيارات الإسعاف يشكل تحدياً إضافياً، حيث يضطر المرضى لنقل أنفسهم بسيارات خاصة إلى دمشق أو إلى محافظات أخرى، ما يعرّض حياتهم للخطر، خاصة في الحالات الحرجة، وأضاف أن المدينة تعاني من نقص كبير في الكوادر الطبية، من أطباء وفنيي تخدير وطواقم تمريض، ما يؤدي إلى عجز كبير في تقديم الخدمات الصحية الأساسية.
أما فيما يتعلق بانقطاع الكهرباء، فقد أكد الدكتور العلي أنه يعد من العوامل الرئيسية التي تعرقل تفعيل القطاع الصحي، حيث تم تأمين محولة كهربائية واحدة فقط للمشفى الوطني لتشغيل قسمي الولادة والأطفال في المستقبل القريب. ورغم هذه الجهود، تبقى الحلول الإسعافية غائبة تماماً، مما يستدعي ضرورة إعادة تفعيل المشافي، دعم الطواقم الطبية، وتوفير المعدات والخدمات الأساسية لإنقاذ القطاع الصحي من التدهور المستمر.
الاحتياجات العاجلة
في ضوء ما يعانيه القطاع الصحي في مدينة دير الزور وريفها من تدهور شامل بسبب سنوات الحرب، والدمار الذي لحق بالمرافق الطبية وغياب الدعم اللازم لإعادة تأهيلها، بات من الضروري أن تتحرك المنظمات الإنسانية والجهات المعنية بسرعة لتقديم الدعم العاجل. إن الوضع الصحي في المنطقة أصبح يشكل تهديدًا حقيقيًا لحياة السكان، مع غياب الخدمات الأساسية التي يحتاجها المرضى، سواء في المشافي أو المراكز الصحية.
إن توفير المعدات الطبية، والأدوية الأساسية، ودعم الكوادر الطبية هي أولويات يجب أن تكون على رأس أجندات العمل الإنساني في هذه المرحلة. نناشد جميع الأطراف المعنية بالتدخل الفوري لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لتأمين الرعاية الصحية الأساسية للسكان، والحد من معاناتهم المتزايدة في ظل الظروف الحالية.

الفكر 1 على “القطاع الصحي في دير الزور: دمار شامل ونداءات عاجلة”