دلير يوسف
يبدو أنّ هذه الجملة هي “الترند” الجديد، بعد أن تناقص وجود جملة “ألم أقل لكم” في الفضاء العام.
في الحقيقة لا يفهم المرء معنى أن يعلّق أحدهم لسميح شقير -صاحب الباع النضالي الطويل وصاحب أغنية “يا حيف” نشيد الثورة السوريّة- بما معناه: أين كنت من الشعب السوري خلال 14 سنة من الثورة؟
ما معنى أن يقول أحدهم لياسين الحاج صالح الذي قضى سنوات طويلة في سجون النظام ولم يتوقف يوماً عن مقارعة الطغيان: ماذا فعلتم في مواجهة الأسد؟ ما معنى أن يقول أحدهم لرغيد الططري الذي قضى واحداً وأربعين سنة في سجون نظام الأسد: أين كنتم حين حكمنا الأسد لأكثر من خمسين سنة؟
صحيح أن كثيرين لا يعرفون، ومن واجبنا أن نقول لهم من نحن وماذا فعلنا، وصحيح أن هذا السؤال قد يأتي من إحساس بالظلم والقهر، وأنّ الشرخ بين السوريين كبير، لكن الصحيح أيضاً أنّ في هذا السؤال فوقية، تعطي الذي سأل حقاً في نزع رأي الذي سُئل.
يا عزيزي السائل، يا عزيزتي السائلة، يا علماء الاجتماع ويا أحفاد ابن خلدون:
صدّقوني حين أقول لكم إنّه وقبل سقوط النظام لم يكن كلّ الشعب يهتف بالروح بالدم لبشار الأسد، صدقوني إنّ مئات الآلاف ماتوا تحت التعذيب ومئات الآلاف (أو نقول الملايين) من السوريين والسوريات من مختلف الشرائح الاجتماعية، ومن مختلف الطوائف والاثنيات، قد ذاقوا عذاب الاعتقال خلال سنوات حكم الأسدين. مئات الآلاف من السوريين والسوريات (أو نقول الملايين) قد هربوا خارج سوريا من أجل كلمة حق قالوها في وجه سلطان طاغٍ. مئات الآلاف من السوريين والسوريات (أو نقول الملايين) قد خسروا وظائفهم وأعمالهم ومستقبلهم من أجل ألّا يخالفوا مبادئهم.
إن كنتَ أنتَ عزيزي السائل، أو أنتِ عزيزتي السائلة، أو بعضٌ ممن حولكم لم يفعلوا شيئاً في مواجهة الطغيان، فهذا لا يعني البتة أنّ كلّ الشعب كان صامتاً هاتفاً لبقاء الأسد.
كان هنالك سوريون وسوريات، داخل سوريا وخارجها، لم يتنازلوا عن كرامتهم من أجل نذل مثل بشار الأسد، ولو كان الثمن الموت جوعاً أو تحت التعذيب.
(لا أقول، والعياذ بالله، أنّ من سكتوا أو من هتفوا للأسد ونظامه كانوا منزوعي الكرامة، كلنا يعرف انحطاط نظام الأسد وأجهزته الأمنية وقدرته على فعل أي عمل يذل به الناس من أجل أن يهتفوا له، لكنّني أحاول أن أوضّح أنّ سوريا لم تكن نسيجاً واحدًا يهتف لبشار الأسد أو حافظ الأسد طوال الوقت.)
لكن، وهذه لكن كبيرة يا عزيزي ويا عزيزتي.
لكن، ألم تقم الثورة من أجلنا جميعاً، وخاصة من أجل أولئك الذين لم يستطيعوا أن يقولوا شيئاً؟ ألم يسقط نظام الأسد من أجل أن نستعيد حقنا في الحيز العام وفي النقاش السياسي والمجتمعي والاقتصادي؟ ألم يهرب بشار الأسد بعد أن فقدنا مئات الآلاف من أهلنا وأحبابنا وبعد أن فقدنا سنوات من حياتنا وبعد أن عُطبت ذاكرتنا من أجل أن نقول لا؟
بعد كلّ هذا: هل تستكثر أو تستكثرين علينا أن نقول إنّ كثيراً ممّا يحدث في سوريا الآن لا يعجبنا؟ أن نقول إنّ ما نراه يشبه إرهاصات لاستبداد جديد يطيح ببلادنا؟ أن نقول إنّ قراراً هنا لا يعجبنا وأداءً هناك يسيء إلى سمعة سوريا؟
وحتى ولو كان الأمر مثلما تقول/ تقولين وكان الرأي المخالف محض هراء من وجهة نظرك. دعوا الناس تحكي وتقول ما تشاء ولو كان ما تقول هراء. لا تبدّلوا استبداداً باستبداد، ومن أجل بعض الاسترخاء اقرؤوا بعض الشعر، وهاكم قصيدة لمحمود درويش:
“لا شيءَ يُعْجبُني”
يقول مسافرٌ في الباصِ – لا الراديو
ولا صُحُفُ الصباح, ولا القلاعُ على التلال.
أُريد أن أبكي/
يقول السائقُ: انتظرِ الوصولَ إلى المحطَّةِ,
وابْكِ وحدك ما استطعتَ/
تقول سيّدةٌ: أَنا أَيضاً. أنا لا
شيءَ يُعْجبُني. دَلَلْتُ اُبني على قبري،
فأعْجَبَهُ ونامَ، ولم يُوَدِّعْني/
يقول الجامعيُّ: ولا أَنا، لا شيءَ
يعجبني. دَرَسْتُ الأركيولوجيا دون أَن
أَجِدَ الهُوِيَّةَ في الحجارة. هل أنا
حقاً أَنا؟/
ويقول جنديٌّ: أَنا أَيضاً. أَنا لا
شيءَ يُعْجبُني. أُحاصِرُ دائماً شَبَحاً
يُحاصِرُني/
يقولُ السائقُ العصبيُّ: ها نحن
اقتربنا من محطتنا الأخيرة، فاستعدوا
للنزول…/
فيصرخون: نريدُ ما بَعْدَ المحطَّةِ،
فانطلق!
أمَّا أنا فأقولُ: أنْزِلْني هنا. أنا
مثلهم لا شيء يعجبني، ولكني تعبتُ
من السِّفَرْ.
